126

وليس يمنعنا ذلك من تكرير القول عليك، رجاء أن تصادف مواعظنا إياك إصغاء إليها وإصاخة لها، لينفعك الله، عز وجل، بها نفعا كبيرا، ويصرف بها عنك شينا كثيرا، وقد تبينت بما كان من مفارقتك لنا ما قارفته من معصية الله، جل اسمه، فينا، وتعرضك لما تعرضته من سخطه بانحرافك عن طاعتنا، واختيارك لنفسك ما كنت عنه غنيا، وعليه ثقة أمينا، فانظر هل نلت بذلك فيما بلغت عاجل دنيا؟ أو آجل صلاح وجزيل [أجر]؟ بل قد سعيت في فسادهما، ثم تأمل الحال التي أنت عليها، والحال التي انتقلت عنها، في أيهما كنت أرخى بالا وآمن سربا وأروح بدنا وقلبا ، لتعلم أنك لم توفق في ذلك، ولم تسدد في اختيارك؛ لأن الله، عز وجل، وكلك إلى نفسك، فاستفزك الشيطان وأضلك.

لقد تبين لك غرور ما أتيته بتبديد شملك بعد اجتماعه، وانصداع شعبك بعد التئامه، واتضح لك ما كنت أحذرك وقوعه، من قلة رضا جماعة الأولياء والموالي بك، واستنكافهم من رياستك؛ إذ زالت عنك شمسنا، فحرمت هيبتك التي ألبسك الله، عز وجل، بنا، من تنكر[هم] لك وانصرافهم عنك، وما تنتظر الشرذمة الباقية معك إلا إمكان الفرصة بمثل ذلك، محاماة منهم على أديانهم، ووفاء بأيمانهم، فكيف بك إذا صرت إلى العراق بحال مع من لا يدفع عنك عدوا، ولا يصرف عنك سوءا، وقد فارقت العش الذي فيه درجت، وموطنك الذي منه خرجت، ومولاك الذي في حجره ربيت، وفي نعمته غذيت، وصرت إلى من لا يرعى فيك إلا

41

ولا ذمة، ولا يوجب لك حقا ولا حرمة، بل يجعلك مغنما وفيئا

42

مقتسما، يدنيك ويمنيك، لا حرصا عليك بل ليحتوي على ما معك ويستصفيك.

وقد كتبت إلى أمير المؤمنين وإلى من لعلك تقصده، أعلمهم أن المال الذي اختزلته من أعمالنا هو مما أمرتك بحمله إلى باب السلطان، أعزه الله، ومبلغه ألف ألف دينار، فأي حجة أبلغ لهم من كتابنا إليهم أن المال لهم ومحمول إليهم؟ فهل تكون بعد استنضاف ما معك إلا بين أمرين؛ إما أن يردوك علينا متقربين بك إلينا، أو نبذل لهم في ردك إلينا مالا يرونك عوضا منه؟ فيكون مصيرك إلينا على جهة القهر والأسر ما الموت أيسر منه، أفهذه المنزلة خير لك أو مراجعتك الواجب عليك؟ وإنابتك إلى ما هو أولى بك، مما تختاره ويرجع إلى محصول، ويئول إلى معقول، فيكون مصيرك إلينا بوجه مسفر غير كاسف، وقلب مطمئن غير خائف.»

والرسالة طويلة، وإنما اقتصرنا على هذا منها.

وكان أحمد بن طولون بإقباله [يصيب] فيما يتخوفه من ظن يظنه وحدس يحدسه مما قدمنا ذكره بالمعنى فيه، المنبه على صلاحه، حتى إذا بلغ الكتاب أجله انقلبت العين، وتتابعت المحن.

حدث نسيم الخادم قال: كان مولاي إذا خرج إلى نزهة يحب الولع بقوس البندق،

Unknown page