Sīrat Aḥmad Ibn Ṭūlūn
سيرة أحمد ابن طولون
43
وكانت نزهته حول الجب لا يعدوه، فخرج يوما إلى النزهة ونزل في مرج حسن، وكان قوس البندق بيده، فمر به حمام طائر فضربه فسقط، وأخذناه فإذا في أصل جناحه رقعة كالكتاب فإذا فيها: «قد استراح مولاي محمد فخذوا حذركم، وارفعوا كل شيء فقد عصا الأمير لؤلؤ.» فأمر مولاي من وقته بإحضار خادم كان على مخلفي لؤلؤ فأحضر [وقال له]: من منكم له حمام هدي؟ ومن لكم عليل في عسكر لؤلؤ؟ فقال له: ليس في دارنا يا مولاي حمام هدي، ولكن لعبيد الله بن سليمان أخي كاتبنا محمد طيور تسرح، وقد كان مغموما بعلة أخيه محمد بن سليمان، فأمر مولاي بالقبض على عبيد الله بن سليمان من ساعته.
وأسر وجده بلؤلؤ وأظهر التهاون بأمره، وفي قلبه منه أحر من الجمر، وأظهر أن غمه بالمعتمد، لما بان للناس من غمه بما يلحق المعتمد من الموفق من التقصير في أمره والمهانة، وما يخافه عليه من القتل، وأنه لا يسعه في أيمانه المؤكدة عليه في عنقه بالبيعة أن يغمض في أمره، وأنه يريد الخروج لنصرته، وليفكه من تلاعب أخيه به، واستيلائه على الأمور دونه، وإنما يقصد في خروجه أن يبلغ كل مبلغ يصل به إلى القبض على لؤلؤ، فأنفذ إلى المعتمد بالله رسولا خفي الشخص، رث الهيئة، إلا أنه كامل محصل، وأنفذ إليه معه سفتجة بمائة ألف دينار، وكتب معه إليه كتابا هذا منه، وذلك في سنة ثمان وستين ومائتين:
قد منعني الطعام والشراب والنوم خوفي على أمير المؤمنين من مكروه يلحقه، مع ما له في عنقي من الأيمان المؤكدة، وقد اجتمع عندي مائة ألف عنان أنجاد، وأنا أرى لسيدي أمير المؤمنين الانجذاب إلى مصر، فإن أمره يرجع بعد الامتهان إلى نهاية العز، ولا يتهيأ لأخيه فيه شيء مما يخافه عليه منه في كل لحظة، فإن رأى أمير المؤمنين، أيده الله، ذلك صوابا قدمه إن شاء الله، وأظهر الخروج لهذه القصبة.
فحدث أحمد بن محمد الواسطي قال: قال لي أحمد بن طولون: أليس الرأي عندك أن أخرج بجميع جيشي وعدتي كلها حتى أنتاش أمير المؤمنين من تلاعب أخيه الموفق به وأنقل كرسي الخلافة إلى مصر؟ فإن بيعته التي في عنقي تقتضي هذا له مني. فقلت له: ما تبلغ معرفتي وفهمي الكلام في هذا الباب، ولكن في محبسك من إن أحضرته واستشرته أشار، لفهمه ورجحان عقله، عليك بالصواب. فقال: ومن هو هذا؟ فقلت: محمد
44
بن إسماعيل بن عمار، فقال لي: صدقت إنه لكذلك، ولولا نفوري منه لخوفي من غوائله ودهائه لما كان بحيث هو، وكان معي في أجل حال، فأحضرنيه. فوجهت من وقتي فأحضرته، فأدخل إليه وهو بحاله التي هو عليها من المطبق، وعليه قميص غليظ، ولم يكن يلبسه أحد سواه، وقد اسود من طول دخان السراج، وشعره قد طال حتى سقط على وجهه، لمكثه في المطبق، فاستدناه فدنا قليلا، ثم استدناه ثانية فدنا، وقال: ما أرضى رائحتي للأمير أيده الله.
فقال له: «دعوتك لأستشيرك في أمر أردت أن أفعله، لعلمي بجودة رأيك وصحة فهمك. فقال له: أين الرأي مني اليوم، أيها الأمير، وهذه حالي؟ فقال له: أنت أوفى رأيا، وأذكى قلبا، من أن يختل عليك ما التمسته منك، أو يعتريك ما يعتري ذوي النقص. فقال: يقول الأمير، أيده الله، ما شاء، والله، جل اسمه، الموفق. فقال له: إن أبا أحمد الموفق قد احتوى على أخيه أمير المؤمنين المعتمد بالله، ونفذ أمره في كل ما يريد، وتمكن من إعناته بمن ضم إليه أمير المؤمنين من الرجال والجيش الذي استدعاه منه لقتال البصري، فلما حصل ذلك له صارت له عدة على أمير المؤمنين، وقد خفت حنثي في يميني التي له في عنقي، إن قعدت عنه، وقد عزمت على الخروج إليه بنفسي وجميع جيشي، حتى أنصر دعوته، وأنقله إلي، فما ترى؟»
فقال: «إن من الخطر العظيم أولا خروج الأمير بنفسه، وجميع جيشه وعدته؛ لأن الحرب سجال،
45
Unknown page