Sīrat Aḥmad Ibn Ṭūlūn
سيرة أحمد ابن طولون
والظفر بحسب التوفيق، فأخاف أن يلحق الأمير، وأعيذه بالله ، هزيمة فلا تكون له بعدها قائمة. ولأن يكون الأمير، أيده الله، من وراء من يبعث به إلى هذا الوجه، وهو مادة له، أولى من أن ينفذ بنفسه. وبعد هذا فأرى كلام الأمير كلام من قد لهج من نصرة المعتمد، وما يريده من رد أمره إليه، مما لا يراه له المعتمد، ولا يعتد به له؛ لأنه رجل مشغول بلهوه، منهمك في لذاته، بمعزل عن حسن تدبير، وأن يكافئ عن فعل جميل.
أرأيت أيها الأمير لو انتقل إليك، وتمت للأمير حمايته من أخيه، وأجابك إلى ما دعوته إليه، أكان له في قصرك دار يسكنها غير دارك؟ فأول ما يستعجل الأمير أن ينتقل عن هذه الدار إلى ما لا يقاربها ولا يدانيها، بل يضيق بمن يحوطه، بل لا يسع بعضهم، ثم يكون الأمير إذا دخلها كبعض الزوار.
ثم أنت أيها الأمير الآن المتبوع الأمر، فلا تلبث أن تصير التابع المأمور، ولعله أن يكون عنده آثر الناس مله أو مغن أو نديم، لا يعشر
46
غلام الأمير، وليس له منه منفعة في أمر، ولا يحمل عنه شيئا من ثقل، ولا يزيد على أن يلهيه، ويسهل موارد أموره ومصادرها عليه.
وأقل ما في هذا الباب الثاني أنه إذا دخل الأمير للسلام يكون قائما، وذلك النديم أو الملهي جالسا، لموضعه منه، ومنبسطا إليه. ولعل هذا إذا شاهده الأمير أخرجه إلى أكثر مما خرج إليه أخوه الموفق فيه، ثم لا يأمن الأمير أن يسأله بعض غلمانه في ضيعة من ضياعه أو عمل فيه أخص غلمان الأمير، فلا تمكنه مخالفته في كل ما يستدعي منه، ثم اعتراضات حاشيته في البلد وأصحابه، وكذلك في الأعمال، وطلبهم ما يشق على الأمير ويعظم، فلا يتهيأ له منعهم، فإن منع أغضب أمير المؤمنين، ثم الأمير بعد هذا غير آمن من أن تحمله المحافظة لمن يسأله استنزالك عن موضعك فيجيبه، ليكافئه على حال قد تقدمت له عنده إلى محبته، ولا يخالف إرادته.
وحسبك أيها الأمير أن تستدعي رجلا إلى بلدك وملكك، فإذا بلغته الغاية القصوى، وسوغته كل ما كدحت فيه دهرك، رأى أن ذلك كله له ومن حاله، وأن الذي قد بقي معك مما تتجمل به بين يديه له دونك، وأن إبقاءه لك تفضل عليك.
إن من إقبال الأمير ما يلحق المعتمد من أخيه؛ لأنه يجد بذلك الحجة على خلافه وترك الائتمار له، وإسقاط اسمه والدعوة له وتأليب
47
الأولياء عليه، وفي هذا ما يتهيأ له بلوغه من معونة أمير المؤمنين، وما يثني أخاه عليه فيعود له إلى إرادته ويزول عنه ما يكرهه، وما أحب، أيها الأمير، إظهار هذا الاجتهاد العظيم في قهر الموفق ونصرته لأخيه عليه، لما يتخوف من مثله لقوة يده وكبر أمره وتمكنه، والذي أرى، ولرأي الأمير، أيده الله، فضله، ألا يفعل ما إذا فعله جرى الأمير فيه بينه وبين أمير المؤمنين على ما شرحته له، مما يخرج الأمير معه إلى أكثر مما خرج أخوه إليه.»
Unknown page