Sīrat Aḥmad Ibn Ṭūlūn
سيرة أحمد ابن طولون
فقال له أحمد بن طولون: حسبك حسبك. وأمر برده إلى محبسه.
قال أحمد بن محمد الواسطي لأحمد بن طولون: أيها الأمير، أكان جزاء هذا الرجل على هذا الرأي السديد الصحيح الذي قال فيه الحق ومحض النصيحة أن يرد إلى محبسه؟! قال: نعم، إني تأملت أمره فوجدته قد نصحني في دنياي وغشني في ديني وآخرتي، ثم تأملت رأيه وجودته وصحته وما حضره منه بغير فكر ولا استعداد وهو على هذه الحال الصعبة القبيحة المفنية للحس فضلا عن غيره، فكيف لو رأى نفسه مطلقة وهو نافذ الأمر والنهي يأكل طيبا ويلبس لينا ويشم عطرا؟ [إذن] لاستد رأيه، ولبعد غوره، وتمكن من عدوه، بقوة حيلته، وحزم رأيه. إن أجهل الأمراء من أعطى مقادته للكتاب العقلاء؛ لأنهم أسد الناس رأيا وأقلهم دينا، بل يقبل رأيهم من غير أن يظهر لهم فيه استصابة!
قال أحمد بن محمد الواسطي: فعجبت من قوله، وازددت حذرا له وخوفا منه، وكان ابن عمار البائس قد ظن بإخراجه إياه إليه، ومشاورته له وما محضه من النصيحة في مشورته، أن في ذلك فرجه وخلاصه وانحلال عقدته، فلما رده إلى الحبس أيس مما كان يتوقعه من الفرج، وصدع قلبه الغم فمات.
قال مؤلف هذا الكتاب: وورد كتاب طيفور خليفة أحمد بن طولون من الحضرة يذكر وصول رسول أحمد بن طولون وكتابه إلى المعتمد والمال المسفتج،
48
وأنه خارج إليه مع المعتمد، ويذكر في كتابه أن يتأهب لموافاته إليه كما استدعاه، فقد تم عزمه على المسير إليه، وأنا بين يديه أخدمه إلى أن يصل إليك إن شاء الله.
فلما قرأ أحمد بن طولون كتابه بذلك، أحضر شيوخ كتابه وقواده وشيوخ البلد، وأحضر ابنه أبا الجيش فاستخلفه على البلد، وخلف معه جماعة من شيوخ قواده منهم محمد بن أبا وغيره، ووصاه باتباع أمرهم ووصاهم به، وأكد على الجماعة في مراعاة البلد والرعية، والمحافظة على ما يكون منه تمام السياسة واستقامة الحال وحسن الأحدوثة، وحذر ابنه من التشاغل بلهو أو بشيء غير ما قلده إياه، وخرج إلى الشام وحمل معه ابنه العباس مقيدا في قبة، وهو يظهر في قوله وفعله أن خروجه لنصرة المعتمد، والكامن في صدره لؤلؤ غلامه، وهو يود أن الأرض طويت له إليه، أو قذفته بين يديه، وهو على غاية من الكآبة والغم بأمره، وكان قد استقر عنده أن الموفق قد أنفذ إليه الخلع، وأنها قد وصلت إليه، ولم يتحقق وصوله هو إليه، فلما بلغ الرملة صح عنده دخول لؤلؤ العراق، وذلك في آخر سنة ثمان وستين ومائتين.
وكان محمد بن سليمان كاتب لؤلؤ من أحذر الناس من أحمد بن طولون وأشدهم فزعا منه، لمقدمات كان يعرفها منه؛ منها أن أحمد بن طولون كان يؤدب الكاتب كثيرا على ذنب الصاحب، ومنها أنه رأى فيما يرى النائم كأنه يكنس قصره داخله وخارجه بمكنسة في يده، فلما انتبه طلبه ليبدأ به، فلخوف لؤلؤ عليه من حال لعلها تأتيه ولم يعلم بالرؤيا أخفاه، وقال: وجهت به في مهم لي وأنا أوجه أحضره. وأمره بالخروج إلى الشام يتقدمه.
49
وإنما أراد أحمد بن طولون أن يعمل في أمر محمد بن سليمان، كما صنع في أمر صنم كان في عين شمس،
Unknown page