131

54

من الدخول إلى السلطان، فيكون ذلك سببا لزوال دولة بني العباس. ويناشده الله، جل وعز، في كتابه في تجديد العناية في رده، ووعده إن رد المعتمد أقطعه إقطاعا واسعا ووصله بالمال الجزيل، وزاد في رياسته ومحله، وذلك في جمادى الأولى سنة تسع وستين ومائتين.

فلما قرأ إسحاق بن كنداج الكتاب حركه على ما استدعاه منه الموفق الحسد لك أيها الأمير، والطمع فيما وعده به، ورحل إليه راغبا راهبا في خيل جريدة في أربعة آلاف غلام، من نصيبين

55

إلى الموصل، فسأل عن المعتمد، فقيل له إنه قد رحل عنها في أمس ذلك اليوم. ووجد له مراكب وحراقات وسفينتين، فيها متاعه وحرمه بموضع يعرف بالدواليب، ووكل بهم ومنع من سيرهم، وأمر الموكلين ألا يطلقوا لأحد من أسباب المعتمد أن يتجاوز الموصل، وسار حتى لحق المعتمد بين الموصل والحديثة، فضرب مضربه دون مضارب أصحاب المعتمد، وسار إليه فلم يلقه أحد من أصحاب المعتمد، حتى وقف بباب مضربه، فخرج إليه نحرير الخادم فسلم عليه، ودخل فاستأذن له، وأمره بإدخاله إليه، فدخل إليه ومعه محمد ابنه وحبشي ووصيف ابنا أخيه وطيب بن صفوان وجماعة من وجوه قواده، فسلم على المعتمد، ووقف بين يديه، فقال له المعتمد: يا إسحاق، لم منعت الحشم من دخول الموصل؟ - لأن الخبر بلغه، وكان بين يديه يومئذ أحمد بن خاقان وخطارمش وتينك - فقال: يا أمير المؤمنين، وما دخول الحشم الموصل ؟ قال: لأني آثرت دخولها. قال: لا والله، أيد الله أمير المؤمنين، ما إلى ذلك سبيل؛ أخوك في وجه العدو، عدوك وعدو دولتك يقف على زوالك عن مستقرك، ومدينة آبائك، فينصرف عن مقاومته ويخلي بينه وبين دار ملكك، وبهذا جاءني كتابه. فقال له المعتمد: أفغلامي أنت أم غلامه؟ فقال: كلنا يا أمير المؤمنين غلمانك ما أطعت الله، فإذا عصيته فلا طاعة لك علينا. فقال له: وما معصيته؟ فقال: تخليك عن دار ملكك ودار آبائك وتركك أخاك وهو مجاهد عنك وعن دولتك لعدوك فتظعن عن مستقرك، وفي هذا عصيان الله، عز وجل. ثم خرج من المضرب، وخلف أصحابه معه بين يديه.

ووجه إلى المعتمد يقول: إن رأى مولاي أن يبعث إلى أحمد بن خاقان وخطارمش وتينك لنتشار فيما نحن فيه فعل. فوجه بهم إليه ومعهم إبراهيم بن مدبر، وسار معهم إلى مضربه، فلما حصلوا فيه قال لهم: علمتم أنه ما جنى أحد على الإسلام جناية أعظم من جنايتكم، قالوا: وكيف؟ وما هذه الجناية؟ فقال: أولها إخراجكم الخليفة في عدة يسيرة، وهذا هارون الشاري

56

في جمع عظيم ما رآه، فلو علم به لأسره، فكان قد حصل الخليفة مأسورا في يدي الشاري، فكانت تكون فضيحة ليس أعظم منها، فلولا تحصنكم الساعة في عسكري لكان هذا، ولقتلتم وذهب الخليفة. وأحضر القيود وقيد الجماعة، ووجه فقبض على مضاربهم، بجميع ما كان لهم فيها.

فلما أمسى الليل بعث ابنه محمدا وبابني أخيه في جماعة ليحفظوا المعتمد، فلما أصبح دخل على المعتمد فسلم عليه وقال له: يا أمير المؤمنين، الأمر مضطرب بناحية أخيك لانزعاجك عن مستقرك، وما مقام مولاي ها هنا معنا؟ فقال له: احلف لي أنك تنحدر معي ولا تسلمني. فحلف له وانحدر به إلى سر من رأى، فقال المعتمد في ذلك:

أصبحت يملكني من كنت أملكه

Unknown page