133

59

وعقد له على مصر مكان أحمد بن طولون، وأقطع ضياع القواد الذين كانوا مع المعتمد، ومبلغ مالها عشرة آلاف دينار في السنة، وسلمت إليه نعمهم.

فلما وقف أحمد بن طولون على هذا كله من كتاب صاحبه إليه، وتواترت الأخبار أيضا به، والكتب إلى سائر الناس، أقام بدمشق ووجه فأحضر قضاة أعماله، وفيهم العمري وأبو حازم وبكار بن قتيبة فاستفتاهم في خلع أبي أحمد الموفق، فكل أفتاه بخلعه إلا بكار

60

بن قتيبة فإنه تلكأ في ذلك، فتغافل عنه أحمد بن طولون، وحقدها في نفسه، وكتب كتاب الخلع على نسخ، وأنفذ إلى كل عمل من أعماله نسخة تقرأ على المنبر في جميع أمصاره وتخلد، فمن جوامع ذلك:

بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أجمع عليه القضاة والأولياء ووجوه أهل الأمصار، حين أحضرهم أحمد بن طولون مولى أمير المؤمنين مجلسه، بمعسكره في مدينة دمشق سنة تسع وستين ومائتين، وسألهم عما يوجبه ما أقدم عليه الناكث أبو أحمد في أمير المؤمنين المعتمد على الله، من إيقاع الحيل على فض جيوشه، وتشريد حماته، بحملهم على السيف مرة وقتلهم بالسم أخرى، ثم تخطى ذلك إلى إخافة سربه، وحمله على الائتمار له في كثير مما يؤثره، مما يضع به من منزلته، وينقص من محله، فلما كثر هذا عليه، وخافه على نفسه؛ أجمع على النفوذ إلى أحمد بن طولون للاعتصام به؛ إذ هو ثقته وعمدته وممن خلص له على التجربة، بتوقفه عن مكاره الخلفاء قبله، وإن أبا أحمد لما رأى ذلك خاف أن يظل مأمورا بعد أن كان آمرا، وكتب إلى إسحاق بن كنداج في قصده ورده، فشخص إليه في جمع كثيف حتى وافاه بين الموصل والحديثة فرده، وأمير المؤمنين يناشده الله ويذكره به، ويخوفه مروقه عن الدين، ونقضه ما أكدته عليه البيعة، وإنما قدم عليه وقد فارق الطاعة، وبرئ من الذمة، ووجب جهاده على الأمة، فلم يصغ إلى ذلك، ولا اكترث به، لما جعل له على ما يأتيه من أمره من الحطام، فشرهت نفسه إليه، وإلى ما استباحه من مال من أقام على الطاعة، ووفى بالعهد والذمة، حتى أدخله سر من رأى مأسورا، وسلمه إلى صاعد بن مخلد فحبسه ووكل به، ومنع من جميع أهله وولده وشمله، فأصلح مقبوض اليد، بعيد الناصر، يخاف على نفسه آناء ليله ونهاره، عرضة لسوء القول وقبيح الفعل، فالأمة في حرج من القعود عن نصرته، والأولياء في حنث من نقض بيعته، والسنن دائرة، والأحكام ضائعة، والحق منتبذ، والعدل شارد، وغير الله، عز وجل، تنتظر، فرأى كل من حضر خلعه مما كان أمير المؤمنين بته له من ولاية عهده، والتبري منه، والجهاد له؛ إذ كان قد منع حقوقا ثلاثة؛ أولها حق الإمامة، والثاني حق الأخوة، والثلث حق النعمة عليه. وأوقع من حضر من الحكام شهادته عليه وفتياه به، فكتب بذلك عشر نسخ نسقا واحدا لا يغاير بعضها بعضا، وفيها خطوط القضاة بما نسخته:

يقول عبيد الله بن محمد العمري القاضي بجندي قنسرين والعواصم والثغور الشامية، وجندي حمص

61 [وأنطاكية]: قد قرئ علي هذا الكتاب، وهو قولي، والحق عندي، والذي أفتيت به، لما صح عندي من غدر الناكث المعروف بأبي أحمد، وتعديه وخروجه عن طاعة أمير المؤمنين، أيده الله، وأنه قد استوجب بما كان منه، مما سمي، ووصف في هذا الكتاب، إسقاط اسمه وخلعه وترك الدعاء له، وأنه غير مستحق لإمامة المسلمين، ولا مأمون عليهم، ولا موثوق به في ذلك، وأشهدت علي وعلى فتياي من أثبت شهادته في هذا الكتاب. وكتب عبيد الله بن محمد القاضي بخطه، في يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة تسع وستين ومائتين.

وكتب عبد الحميد: يقول عبد الحميد بن عبد العزيز القاضي بدمشق والأردن وفلسطين: قد قرئ علي هذا الكتاب وهو قولي، والحق عندي، وهو الذي أفتيت به، وقد صح عندي غدر الناكث المعروف بأبي أحمد، وتعديه وخروجه عن طاعة أمير المؤمنين، أيده الله، وأنه قد استوجب بما كان منه إسقاط اسمه وخلعه، وكتب بخطه.

وكتب أحمد بن أبي العلاء قاضي ديار مصر بمثل ما كتب صاحباه حرفا بحرف.

Unknown page