Sīrat Aḥmad Ibn Ṭūlūn
سيرة أحمد ابن طولون
وانصرف أحمد بن طولون عن يازمان، بغيظ عظيم، قد تمكن في قلبه منه، إن شفاه أهلك ثغور المسلمين وبلغ منيته، فرأى أن كظمه وتحمل غيظه لما كان فيه من الدين والخير أعود عليه في آخرته.
وطال مقامه بأذنة، وكان ذلك في عنفوان اشتداد البرد كما ذكرنا متقدما، فمات من سودانه خلق كثير؛ لأنهم بقوا بطول مقامهم عراة في البرد. وتساقط من الدواب مثل ذلك من كثرة الثلوج، فلما زاد الأمر عليه رحل إلى المصيصة، فاجتمع إليه وجوه قواده وكبار أصحابه، فقالوا له: لا تبرح أو يزول هذا البرد، وتعود إلى يازمان ويمكنك الله، جل اسمه، منه. فقال لهم: والله لا يراني الله، عز وجل، وأنا أجهز جيشا لمحاربة طرسوس إذ كانت سكن الإسلام.
فأقام بالمصيصة ثلاثة أيام، وقد نالته علة من البرد، فلم يبلغ أنطاكية حتى زادت علته، وكان بدؤها هيضة؛ أكل لبن جواميس، فاعتراه بعد الهيضة قذف فأعقبه قيء كثير، فكان بدؤه سببا صغيرا كما قال ابن الربعي:
لا تحقرن سببا
كم جر شرا سبب!
وتزايدت علة الذرب،
7
وكان طبيبه سعيد بن توفيل
8
فوجده قد خرج إلى بعض الديارات هناك، فاغتاظ لذلك عليه، وضاق له صدره، فزاده الغيظ هيضا، فلما وافاه طبيبه سعيد أغلظ له القول، ومنعته عزة نفسه أن يشكو إليه أمره وما ناله، والعلة تزيد قليلا قليلا وتستحكم، ثم دخل إليه طبيبه في الليلة الثانية فاشتم منه رائحة نبيذ، والنبيذ عند النصارى فهو والله دينهم وعادتهم، وقال له: لي يومان في هذه العلة وأنت لاه شارب وتأتيني متنبذا. فقال له: طلبني الأمير، أيده الله، بالأمس وكنت في بيعة
Unknown page