Sīrat Aḥmad Ibn Ṭūlūn
سيرة أحمد ابن طولون
38
لأنه كان رجلا أسود عظيم الخلق، وقلد النظر في جنايات الغلمان السودان والرجالة خاصة فسمي باب الدرمون، وباب آخر سمي باسم حاجب كان عليه يقال له دعناج، وباب عمل من خشب الساج سمي باب الساج، وباب في الشارع الأعظم كان يخرج منه إلى الجامع الذي بناه فسمي باب الصلاة، وصور عليه سبعين من جبس. وهذا الباب قائم بحاله إلى اليوم وهو يعرف بباب السباع أيضا في أول سوق الدواب. وكان الطريق الذي يعرج منه الفاصل إلى قصره طريقا واسعا، ولم يكن يكتنفه باب واحد ولا بابان فقطعه بحائط وعمل فيه ثلاثة أبواب كأكبر ما يكون من الأبواب، [وكانت] الدروب متصلة كلها واحد إلى جانب واحد، يفرق بين الناس الركن الذي ينصفق إليه الدرب.
فكان إذا ركب أحمد بن طولون لعيد أو لغيره يخرج عسكره منه متكاثف الخروج، على حسن ترتيب بغير زحمة، ويخرج هو من الباب الأوسط منها، لا يختلط به أحد، فتلك السكة إلى اليوم تسمى ثلاثة أبواب. ومن هذه الأبواب واحد قائم إلى اليوم، ودخل البابان الآخران بعدهما في بناء الناس لما انقضت أيامهم وخربت القطائع.
وكانت أبواب قصره، التي سمينا قبل هذا، تفتح بعد عرض الجيش أو يوم صدقة، وسائر الأيام تفتح على ترتيب في وقت وتغلق في وقت، وكان له في قصره مجلس يشرف منه يوم العرض ويوم المساكين، فينفذ منه من يدخل إلى جنب الخارج، فكانوا يردون من باب الصوالجة ويصدرون من باب السباع.
وبنى على باب السباع مجلسا يشرف منه ليلة العيد على القطائع، فيرى اضطراب الغلمان في تأهبهم وتصرفهم في حوائجهم، على مقدار كل واحد منهم، فإذا شاهد من واحد منهم يسيرا من الاختلال أمر له في الوقت بما يتسع به ويزيد في جماله، وكان يشرف منه أيضا على البحر وعلى باب المدينة وما والاهما، وكان متنزها حسنا.
وكان يصلي الجمعة في المسجد القديم الملاصق للشرطة، فلما ضاق عنه بنى الجامع الجديد بما أفاء الله عليه من المال الذي وجده فوق الجبل في الموضع المعروف بتنور فرعون، ومنه بنى العين المعروفة بعين أبي بن خليد، وتولى بناء العين والجامع رجل نصراني حاذق بالهندسة. ونحن نأتي بخبره إن شاء الله.
واتسعت أحواله بعد فراغه من بناء الجامع، وكثرت إصطبلاته لكثرة كراعه، وعظم صوته، فلما بلغ ماجور خبره خافه وهابه وكتب إلى الحضرة يقول: «أما بعد، فإنه قد اجتمع لأحمد بن طولون أكثر مما كان يجتمع لأحمد بن عيسى بن شيخ، والخوف منه أكثر؛ إذ كان فيه من الفضل ما ليس في أحمد بن شيخ.» وكتب أيضا أحمد بن مدبر وشقير الخادم صاحب البريد بمثل ذلك، فكتب [الخليفة] إلى أحمد بن طولون: «أما بعد، فإنا رأينا أن نرد إليك أمر دارنا بالحضرة وتدبير مملكتنا، فإذا قرأت كتابنا هذا فاستخلف على قصرك
39
من أحببت، والبلد لك وباسمك، واشخص إلينا لما ندبناك إليه، ورأيناك أهلا له، والسلام.»
فلما قرأ أحمد بن طولون الكتاب علم، بما فيه من الدهاء والذكاء والعقل وحزم الرأي، أنها حيلة توقع عليه، فأنفذ كاتبه أحمد بن محمد الواسطي إلى الحضرة، وحمل معه مالا كثيرا إلى الوزير، وكان يومئذ الحسن بن مخلد، وحمل إليه مع المال كل شيء حسن غريب، من دق
Unknown page