Sīrat Aḥmad Ibn Ṭūlūn
سيرة أحمد ابن طولون
40
تنيس ودمياط، ومن الخيل والبغال وغير ذلك ما يجوز الوصف حسنا ومقدارا، وسأله أن تشمله عنايته في أن يطلق له ولده وحرمه، وكتب إلى يارجوخ صاحبه بما كتب به إليه، وعرفه ما كاتب به الوزير وسأله مسألته في أمره، وحمل أيضا إلى يارجوخ مالا ومتاعا، فلما وصل كتابه إلى الوزير وما حمله معه، قال لكاتبه: «لن نزعجه عن عمله، ولا يقبل فيه قول ساع سعى فيه.» وركب إليه يارجوخ فسأله فأجابه إلى إنفاذ ولده وحرمه، وأقر ولده في عمله وركبا إلى أمير المؤمنين فأحسنا القول فيه، وصغرا ما كتب به ماجور وابن مدبر وصاحب البريد، فأمر بتثبيت يده في عمله، فكتب إليه الوزير ويارجوخ بذلك، وأطلق له حرمه وولده فحملهما كاتبه إليه، ووافاه وقد بلغ له ما يحبه.
فلما ورد كتاب الوزير بذلك عليه سره غاية السرور، وتصدق من وقته بصدقات جليلة كثيرة، وحمل إليه الوزير أيضا هدايا حسانا ومالا كثيرا، وكتب إليه يشكر ما كان من تطوله عليه، واستدعى منه أن ينفذ إليه كتب من يكتب فيه من العمال بمصر وأهل البلد، فلما ملك به قلب الوزير وملأ به عينه بعثه على أن أنفذ إليه ما استدعاه، فأنفذ إليه كتاب شقير صاحب البريد بمصر يقول له: «إن أحمد بن طولون على التغلب على مصر والعصيان بها.» ثم أنفذ إليه كتبا من ابن مدبر بمثل ذلك.
فأحضر أحمد بن طولون شقيرا الخادم راجلا من داره وتقدم بأن يتعتع
41
ويكد في عدوه من داره بمصر إلى الميدان، وكان شقير الخادم مبدنا مرفها، وقصد أحمد بن طولون لعلمه بذلك منه أن يقتله التعب، فلم يصل إليه إلا وقد كادت نفسه تخرج، فلما مثل بين يديه أمر بأن تحضر السياط والعقابان
42
فأحضرا، وأمر بشده في العقابين وغفل عنه، فاستغاث ساعة، وسقطت قوته ووقع، وتبين فيه الموت فلم يضرب، وأمر برده إلى داره راكبا، فلما حصل فيها مات آخر نهار يومه.
وأنفذ أحمد بن طولون إليه العدول حتى شاهدوه عريانا، وأنه مات من غير ضرب ولا سبب غير فناء أجله، فكان علم أحمد بن طولون بأن ما عمله يبلغ به ما يحب من أمره من غير مكروه ضرب ولا غيره حسنا.
وكان ابن هلال قد تقرب من قلب أحمد بن طولون وتعبد
Unknown page