Sīrat Aḥmad Ibn Ṭūlūn
سيرة أحمد ابن طولون
حدث نسيم الخادم أن مولاه أحمد بن طولون طلب سعيد بن توفيل يوما من الأيام، فقيل له : مضى يستعرض ضيعة ذكرت له يشتريها. فأمسك، فلما حضر قال له: ويلك يا سعيد! اجعل صحبتي ضيعتك التي تشتريها لتستغلها، وواصل مراعاة خدمتي، واحرص على صحتي ولا تغفل ذلك، واعلم أنك تسبقني إلى الموت إن كان موتي على فراشي، وأني لا أمكنك من الاستمتاع بالحياة بعدي. فقال بعض العلماء حين سمع هذا القول: ما سمعت حثا لمتطبب على مبالغة في نصح أشد من هذا.
قال مؤلف هذا الكتاب: وفي إفاقته من علته أطلق محبوب بن رجاء من محبسه، ورد إليه جميع ما كان أخذ منه، فوجد محبوب ماله مختوما بخاتمه بحاله ... دنانير، ما عرض له ولا نظر إليه.
فلما رأى أحمد بن طولون اشتداد العلة أحضر خواصه من وجوه قواده وابن مهاجر والواسطي، وقال لهم: استهدوا لنا الدعاء من الناس كافة، وسلوهم الخروج إلى الجبل والتضرع إلى الله، جل اسمه، بالمسألة له في عافيته لنا. فشاع هذا القول منه في الناس، فخرج المسلمون بالمصاحف إلى سفح الجبل، وتضرعوا إلى الله في أمره بنيات خالصة لمحبتهم له، وشكرهم لجميل أفعاله، وكثرة معروفه وإحسانه، وصيانتهم عن كل حال يكرهونها منه، أو من أحد من حاشيته، مع أمنتهم ورخص أسعارهم، بمراعاة ذلك وحرصه عليه ومحبته له.
فلما رأى اليهود والنصارى ذلك من المسلمين خرج الفريقان؛ النصارى معهم الإنجيل، واليهود معهم التوراة، وفي أيديهم حزم الآس، وفي أيدي شمامستهم البخور، يبخرون ببخورهم الذي يتبركون به، واجتمعت الجماعة كلها في سفح الجبل، واعتزل كل فريق منهم على حدة يدعون الله، عز وجل، ويتضرعون إليه في أن يمن عليه بعافيته، فكان يوما عظيما، وارتفعت لهم ضجة عظيمة هائلة حتى سمعها في قصره، فبكى لذلك، وتضرع معهم إلى الله، جل اسمه، والمنية قد قربت، كما قال بعضهم:
وإذا المنية أنشبت أظفارها
ألفيت كل تميمة لا تنفع
قال: ومن شيم النصارى أن يتضرعوا بمثل هذا الفعل في الاجتماع والخروج، إذا قدم البلد وال جديد، وكذلك رأيناهم قد عملوا في قدوم بولس إلى البلد، خرج النصارى إليه وفي أيدي شمامستهم الزبور وغيره ... ومعهم المجامر يبخرون من باب المدينة إلى أن دخل إلى داره، وخرجت إليه، أيضا، اليهود، وفي أيدي أحبارهم وشيوخهم الآس، وفي أيدي بعضهم كتبهم يقرءونها بين يديه، فكان لهم ذلك اليوم ضجيج في البلد.
وحدث نسيم الخادم قال: دعاني مولاي، وقد مضت قطعة من الليل، قبل وفاته بشهر واحد، فقال لي: ادخل إلى بكار بن قتيبة فإن أصبته يصلي فانتظر فراغه من ركوعه وسجوده، فإذا سلم فقل له عني: أنت تعلم ميلي إليك قديما وإكرامي لك مبتدئا، وإنه لم يفسد محلك عندي إلا أمر الخلع وأن شهادتك فيه كانت مباينة لشهادة غيرك مخالفة لها. وقد شاع في عسكري أنك نقمت هذا الخلع علي، ووالله ما انحرفت عن الناكث لإساءة كانت منه إلي اعتدتها له، ولا أردت بخلعه إلا الله، عز وجل؛ لأنه أسر الخليفة ومنعه ما يجري له. والصواب أن تحضر مجلسي في جمع من أوليائي وأولياء أمير المؤمنين، فتتبرأ من الناكث براءة تدل على صدق نيتك لأمير المؤمنين، وترجع إلى عملك، ونرجع لك إلى ما كنا عليه من الإكرام والموالاة والحال التي كانت بيننا، وإن امتنعت من هذا فلا لوم علينا فيما أتيناه في أمرك، مما لم نؤثره ولا نختاره والله فيك.
قال نسيم الخادم: ففتحت باب الحجرة التي كان فيها بكار معتقلا، ودخلت فوجدته قائما يصلي، فقلت من حيث يسمع: رسول الأمير. لأنه كان ثقيل السمع، فوالله ما حركه ذلك ولا فكر فيه ولا أوجز من صلاته، ولم يزل يقرأ حتى فرغ من حزبه، ثم ركع وسجد وجلس قليلا، وقام وقرأ طويلا، ثم ركع وسجد وجلس يسيرا، ثم سلم، فقلت له: ر[سول الأمير]. فقال: وما يريد الأمير؟ فقصصت عليه الرسالة، فقال: قل له: يعز علي أن يكون حرصك على ما تفارقه أكثر من ميلك إلى ما لا بد لك منه، وقد أعنتني وآذيتني؛ لأنك تكلفني الشهادة بالبلاغات التي لا يعدلها الحكام، فخف الله في أمري فإني شيخ فان وأنت عليل مدنف، ولعل التقاءنا بين يدي الله، عز وجل، قريب، وقد والله نصحت لك والسلام. وقام إلى صلاته.
قال نسيم: فخرجت من عنده وقد أبكى قلبي وأبكى عيني، فدخلت إلى مولاي فأعدت عليه قوله، فبكى وبقي يقول: شيخ فان وعليل مدنف، ولعل التقاءنا بين يدي الله، عز وجل، قريب. وأقبل يكرر ذلك، ثم قال لي: انظر أعرف المضمومين إليك، فوكله به في دار تكتريها له، وأطلق له دخول ابني أخته إليه ومن أحب. فاكتريت له دارا في نواحي الموقف، ووكلت به رشيقا أخا سعد الفرغاني؛ لأنه كان شيخا فيه دين وخير، فلم يزل معتقلا فيها إلى أن مات مولاي، فأطلقه أبو الجيش يوم موته واستحله لأبيه، فكانت هذه الفعلة من أبي الجيش أحد أفعاله الحسان، فأقام بعد مولاي عشرين يوما ومات فلحق به.
Unknown page