156

ثم كتب رقعة ووجه بها مع خادم إلى الأمير، فما أبطأ حتى خرج، فخاطبه بما لا أقف عليه، فقام وأدخلني معه، فعججت في سري إلى الله، جل اسمه، وسألته حسن الدفاع عني، ومثلت بين يدي الأمير وقد زاد اضطرابي، وأنا مستعين بالله على ما أتخوفه منه، فسلمت فرد علي السلام بإصبعه، ورأيت عليه أثر البكاء، فقال لابن مهاجر: ترفق قليلا قليلا، سل هذا الرجل هل سبقت منا إليه إساءة؟ فرد علي بن مهاجر قوله، فقلت: لا والله، أيد الله الأمير. فخاطبني هو وقال لي: فما أخذك، ويحك، بإطلاق لسانك بما لا يجوز لك في ولائك؟ فقلت: أعز الله الأمير لما لا يضبط من المقدار الذي يجري بالمحبوب والمكروه، وخور يلحق الطباع الضعيفة فيمنعها من حسن التحرز. فقال لابن مهاجر: قد أحسن الاحتجاج لنفسه ، وما يسهل علي إصلاحه في تقويمه بفسادي في معادي، على شدة حاجتي في هذا الوقت إلى عفو ربي. ثم التفت إلي فقال لي: حدثني فلان عن فلان عن وهب بن منبه، فقال: أوحى الله، عز وجل، إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل: مر عامة أمتك ألا تتأسى بالملوك في ارتكاب الكبائر، فإن للملوك كبائر من الأفعال الجميلة لا يصل إليها عامتهم، تمحص بها آثامهم ويحسن بها صدرهم.

34

ثم قال لنسيم: ادفع إليه خمسين دينارا واصرفه مصونا. قال الدينوري: [حفظت الحد]يث ونسيت إسناده لفرط ما لحقني من الخوف والهيبة؛ فقد بقي في نفسي منه جرح لا يندمل، وغم لا يزول إلا بعد وجوده، وقد أحفيت

35

الطلب له وأنا كذلك إلى أن أجده بعون الله، فرحم الله أحمد بن طولون؛ فما مر لي وقت إلا وأنا أترحم عليه وأستغفر الله، جل اسمه، له.

قال: وكان أحمد بن طولون كثير الاستقصاء في مال الجيش، فلما اشتدت علته تقدم إلى ابن مهاجر في إطلاق رزق سنة للجيش في بيعة أبي الجيش بعده، فظن ابن مهاجر أن ذلك من اختلاط العلة فأهمل العمل به، فلما كان من غد يومه سأله عما صنع في ذلك، فقال له: ما خرج الحساب من أيدي الكتاب بعد، فقال له: أظننت، ويحك، تخليطا بي من العلة؟ ما أنا كذلك، والحمد لله كثيرا، بل أنا بضده، وإنما لمثل هذا الوقت جمعت الأموال، وإنما أردت أن يعلم الجيش أنه قد حصل لهم ما لا يسمح ببعضه من يحاربهم ويكاثرهم، فتكون أيديهم وقلوبهم قوية. فسكن ابن مهاجر إلى هذا القول، وأطلق المال للرجال، فعظمت منته عندهم، وكثر شكرهم.

قال مؤلف هذا الكتاب: فلما اشتدت بأحمد بن طولون علته دعا بأحمد بن محمد الواسطي، وقال له: يا بني لمثل هذا اليوم وهذه الحال ربيتك واصطفيتك، وقد علمت حسن موقعك مني، وأني فضلتك على الولد وكل أحد، فلا تخفر الظن بك، واعلم أن الوفاء أحسن لباس وأفضل معقل، والله يشكره، عز وجل، لمن استعمله ، حرمي هن أمهاتك وأخواتك، قال: والواسطي يلطم وجهه ويبكي، وأحمد بن طولون يبكي معه، وهو يحلف له أنه لو تعرض للقتل لما قصر فيما عاد بمصلحة شمله، ويقول: وأرجو أن يهب الله للأمير العافية ولا يرينا فيه سوءا أبدا ويقدمنا جميعا بين يديه. وكل ذلك [وهو] يعج بالبكاء.

فحدث نسيم الخادم، [قال: فلما خرج] الواسطي من حضرة مولاي، قال لي: يا نسيم، والله ما أخاف على حرمي إلا منه وعلى جميع مخلفي؛ لأنه قوي الحيلة فاسد الدين، ولولا أنه وقت استكانة إلى الله، عز وجل، وخضوع، ما كنت آمن على مخلفي منه. قال: فلما كان من غدر الواسطي بأبي الجيش ما كان، وذهابه إلى المعتضد ومعاونته إياه على أبي الجيش، ذكرت قول مولاي، رحمه الله، وفراسته فيه، فما ضر الله، عز وجل، أبا الجيش بغدره، وبقي شريدا طريدا مطرحا بأنطاكية، مذموم الأثر والسيرة، فذكر إحسان مولاي إليه ولم يكافئه على جميل فعله به، وكل أوزار احتقبها فيه، فتصوره الناس بالغدر وقلة الوفاء. ومات بعد مولاي بيسير.

قال نسيم: فلما كنا من غد خطاب مولاي للواسطي وما وصاه به، أحضره وأحضر محمد بن أبا وطبارجي وجماعة من وجوه خاصته وقواده ووجوه دولته وكتابه، فأحضر أبا الجيش فقال له: يا بني إني لم أدفع الحنث في يمين البيعة إلا بما كنت أحمله إلى أمير المؤمنين المعتمد خاصة، وهو مائة ألف دينار في كل سنة، ذكر لي فيما كاتبني به أنها تكفيه، فكان حملي هذا المال يقينا الحنث في يمين البيعة بيعته، فلا تؤخرها عنه ولا تقطعها، ولو أعيتك الحروب وواصلتك فلا تغفل حملها وما يقاومها، فإنك تدفع بها حنث هذا الجيش بأسره في يمين البيعة، وتشرح بها صدورهم في قتال من قصدك، ممن قهر الخليفة ومنعه أمره وتصرفه في إنفاذ حكمه، وجميع أمره، والله بكرمه يكفيه. [قال أبو جعفر] محمد بن عبد كان: إن أبا الجيش لم يزل يحمل هذا المال إلى المعتمد حتى تقلد إسماعيل بن بلبل الوزارة، فأوقع الصلح بينه وبين الموفق.

قال: فلما فرغ أحمد بن طولون من وصية ابنه في حمل المال إلى المعتمد أقبل على وجوه قواده وغلمانه فقال لهم: قد وطأت لكم المهاد بهذه الدولة، وخلفت لكم من عدتها ما يكفيكم، فاطرحوا الأحقاد بينكم، وأسقطوا التحاسد، واتركوا الاستئثار، ولتكن كلمتكم واحدة، وجماعتكم كرجل واحد، ولا تغتروا بمخاريق أهل العراق، ومواعيد من يطلب سيئاتكم، فليس برأسكم أبدا مثلي، ولا أحنى مني ومن ولدي عليكم، فلا تخفروا ذمتي، واحفظوا صحبتي وتربيتي لأكثركم، وإيثاري وإحساني وتفضيلي لجماعتكم، وهم يحلفون له ويبكون بأجمعهم.

Unknown page