157

ثم عطف على أبي الجيش فقال له: يا بني، لا تعدلن عن مشورتي عليك، فلن تجد، أبدا، أنصح لك مني، قد خلفت دخل بلدك يزيد على ما ينوبك بجيشك وسائر مئونتك، فلا تطلقن فيه يدا بجور، فيختل أمرك بخرابه، ولا تقبل بنصيحة من يتنصح لك بما يئول إلى خراب بلدك، والإجحاف بمعامليك فيه؛ فإنه عدو مبين من حيث لا تعلم، فانبذه عنك، ولا تقربه منك، وقد خلفت لك رعيتك لا يطلبون منك إلا لين الجانب والأمن من المخاوف، ولم أكن أمنعهم لين جانبي بخلا به عليهم، ولكني آثرتك على نفسي بمنعي لهم لين جانبي والأمن من مخافتي، فاستعمل أنت ذلك معهم فتملك قلوبهم، ويبادروا إلى طاعتك، ويهشوا إلى التصرف بين أمرك ونهيك، في صغير أمرك وكبيره، ولم أترك لك عدو أخافه عليك، واعلم يا بني أن كل سرف يئول إلى اختلال وتلف، فاقصد في ا ... مهماتك، ولا تمد يدك إلى المال المخزون عند خير الخادم [واجعله] ذخيرة لمملكتك، وأقمه مقام جارحة من جوارحك لا تبذلها إلا في شدة تخاف معها ساد سائر جسدك، أو عندما تقدر بإخراجها صلاح سائر جسدك، وكان خير الخادم هذا خادم المتوكل.

ثم قال له: واسلك يا بني سبيلي واقتف آثاري في سائر من خلفت يأنسوا بناحيتك، ويحسنوا طاعتك، ولا يميلوا إلى عدو يخالفك، ولا تقبلن مقال السعاة فيما تقوى به سوقهم عندك، فكل شر وسوء يئول إلى اضمحلال وزوال، ويهلك في ذلك من سلكه.

قال مؤلف هذا الكتاب: وكانت الوديعة التي عند خير الخادم ألف بدرة،

36

وكانت عند نسيم فنقلها إلى خير، وكان يكنى بأبي صالح. وكان أحمد بن طولون قد قرن به أبا الجيش يؤدبه، وكان ثقة مأمونا دينا، كان يعرف بخير الطويل، ولما فرغ أحمد بن طولون من وصيته لأبي الجيش قال له: يا بني وفي حاصلي ألف ألف دينار وسبعمائة ألف دينار، وهو غير الوديعة، يكون ذلك لعطاء جيشك، وما عسى أن يعرض لك عند مقاومة من يقصدك، ومادة الخراج بعد ذلك فغير منقطعة عنك، هذا يا بني ما تملكه الدولة والذي أملكه أنا خاصة من دخل أقطاعي وابتياعي، ما يحصل لي منه في كل سنة في بيت مالي مائتا ألف وخمسون ألف دينار، فاقسمها في ولدي وانظر إليهم بعيني، وتغمد هفواتهم، وسد خللهم، وكفهم عن الفاقة إلى غيرك، وبصرهم رشدهم، وامنعهم من سرف الإنفاق؛ فإنك أبوهم بعدي، جبر الله جماعتكم [وأحسن الخلافة] عليكم، وأنا أكرر عليك القول يا بني لئلا تنسى. ليس المال الذي عند خير الخادم لي [فتشتركوا] بقسمته بينكم، فلا تظنن أن كل ما قويت يدك على أخذه هو لك، فصنه وامنع نفسك منه، واستشعر فيه ما وصيتك، فإن انقادت لك الأمور لم يضرك بقاؤه لك، وإن عارضتك الحوادث كان عدة لك، فلا تغرنك وجميع مخلفي وحاشيتي السلامة، فتنسوا ما في نفوس أهل العراق عليكم؛ فأنتم شجا في حلوقهم فلا تأمنوهم، ولا تناموا

37

عن الحزم فيهم، فإن أحسستم بضعف عنهم فابذلوا جميع ما تملكونه في السلامة منهم، ولا تضعوا أيديكم في أيديهم، فإني أعرف ذنبي لهم، والله أسأل رعاية جماعتكم. ثم بكى وبكت الجماعة، حتى ارتجت الدار لبكائهم.

فلما اشتغل بهذه الوصية لهم انقطع عنه الإسهال، فأمل أصحابه عافيته وبرءه، وذو المعرفة أيس منه.

حدث نسيم الخادم قال: لما استحكم إياس مولاي من السلامة كان يحمل كل ليلة في محفة

38

Unknown page