158

يطوف في الميدان، فلا يرى فيه ثلمة يخاف أن تنفتح، أو تفتح في هيج، فيقتحم منها قوم يدخلون منها إلى القصر [إلا] ويأمر بسدها، حتى سد كل ثلمة كانت فيه، ثم يدعو بثقاته فينعى إليهم نفسه، ويسألهم حسن المكافأة بعده بالطاعة لولده، ويقتضيهم ذلك بسالفه عندهم.

فلما دخل ذو القعدة من سنة سبعين ومائتين دعا بابنه العباس، فأطلقه من قيده وخلع عليه، وقلده جميع الأعمال الخارجة عن أعمال مصر من الشامات والثغور، وقال له: أنا أوصيك يا بني بتقوى الله، عز وجل، ومكافأة أخيك والإمساك عن الاستطالة عليه، بزيادة سنك على سنه، فلا تتركن لمن يقصدكما من العراق مدخلا بينكما يتأتى [منه لكما، ولا] تسمع ممن يطلب صلاح نفسه بفساد ما بينكما، ولا تضمرن لأخيك غير ما تظهره؛ فإن القلوب مجندة. واعلم أن جوار أخيك لك أصلح من جوار غيره، ولا تضمر له خلافا فتبسطا ما بينكما، ويجد عدوكما بذلك سببا إلى هلاككما، وقد تقدمت بإزاحة علل رجالك، فاحرص أن يكون خروجك إلى عملك قبل وفاتي، فإن الراغب عنك كثير أكثر من المائل إليك، وأخاف أن تتلوم

39

على الطمع في موضعي وتتريث فتذهب نفسك، بصرك الله رشدك ووفقك، ووقاك ما أخافه عليك وأحاذره فيك بمنه.

ثم شكا بعد ذلك ظلمة في بصره، ثم لم يبصر شيئا، وجعل يخفت

40

وتضعف قوته، وينحل جسمه، إلا أن عقله ثابت لم يتغير منه شيء، والدليل على ذلك وصيته هذه، ورأيه فيها الرأي التام الذي لا يكون بأسد منه ولا أقوى ولا أبلغ، إلا ما حرمه الله، جل اسمه، إياه من التوفيق في علته حتى تنفذ مشيئته، تبارك وتعالى، فلم يحم نفسه من مأكول، ولا وقاها ضارا، كما أراد الله، عز وجل، فلم يملك دفعا.

حدثت نعت أم أبي العشائر ابنه قالت:

كنت جالسة بين يديه والعصابة في يدي، وقد أيست منه وأنا أنتظره أن تقبض روحه فأشد لحييه ولسانه ضعيف إلا أنه طلق إذا تكلم، ففتح عينيه ثم غلقهما ثم فتحهما، ونظر إلي نظر من رجع بصره إليه، فحمدت الله على ذلك، ثم قال بصوت قوي ولسان طلق ذرب:

41 «يا رب ارحم من جهل مقدار نفسه فأبطره حلمك عنه.»

Unknown page