159

ثم تشهد أحسن شهادة وأتمها، وقضى في آخر تشهده، وإن ذلك بعد ذهاب [طائفة] من ليلة الأحد، لعشر ليال خلون من ذي القعدة، سنة سبعين ومائتين، فحولت وجهه إلى القبلة، وأخذنا في أمره.

قال مؤلف هذا الكتاب: حدثنا شيخ من صالحي أهل المعافر، قال: جاءني بعض إخواني من كبار المتزهدين الأخيار يعرف بالرمامي، وكان من أحسن الصوفية، فقال: لا تتخلف عن جنازة هذا الرجل. فقلت له: وما في ذاك من الفائدة؟ فقال لي: كل الفائدة. قلت: ما هي؟ قال: ترى انحلال ما عقدته الدنيا من الأمور الجسيمة وتبدده، فيهون عليك ما عاصاك منها، ويزول عنك التهيب لما انساق منها، ويصغر في عينك ما اكتنزه المغرور ورحل عنه، وتعلم أن جميع أحوالها إلى زوال، فقلت: نعم، صدقت.

ومضيت فرأيت جمعا عظيما هائلا، وحالا كبيرة تعجز الصفة عن ذكرها حتى ظننت أنه ما بقي في البلد أحد من رجل ولا امرأة، وكل فرق شتى، كل فرقة على حدتها رجالا ونساء، فتأملت فإذا كل صنف من غلمانه أيضا فرق، وقواده فرق، وكتابه فرق، وسائر أصحابه ومن يلوذ به ويخدمه فرق فرق، ومن كان فضله عليه وجراياته وصدقاته فرق فرق، وقد تميز أيضا النساء من حاشيته وهن أيضا فرق فرق، حرمه منفرد في خلق عظيم، لا يخالطهن أحد من حشمهن، وحشمهن ناحية لا يخالطهن غيرهن، ونساء قواده ونساء غلمانه ونساء كتابه ونساء أصحابه كل صنف منهن على حدة لا يخالطهن غيرهن، ونساء القطائع فرق فرق، وكل الجماعة عليهم من الكآبة أمر عظيم، وكل منهم مسلم لأمر الله، عز وجل.

ثم أقبل من النساء السودانيات، اللائي كان فضله عليهن، وجراياته القمح والدراهم في كل شهر، خلق عظيم لا يحصيه [ولا] يقوم بمعرفة مبلغه إلا الله جل اسمه، صائحات صارخات، فارتجت الأرض لهن، وعظمت الحال في قلوب من شاهدهن، ثم أقبل بعدهن [من] صالحي من يسكن المعافر ممن فيه الدين والورع والخير نساء ورجال قد كان له في جماعتهم المعروف الواسع. ولو لم يكن إلا العين، الماء، التي صارت حياة لهم، وصيانة ومرفقا إلى اليوم وإلى القيامة، إن أراد الله، جل اسمه، ذلك ووقاها من الغير، فأقبلوا مبتهلين إلى الله، جل اسمه، يسألونه الرحمة له والمغفرة والتجاوز عنه، بخشوع وتضرع واستكانة وبكاء.

فشاهدت من ذلك ما هالني، وذكر جميع من حضر أنه ما رأى مثله لموت خليفة من الخلفاء ولا غيره ممن عظم قدره، ثم أقبلوا به مفردا على سرير، مدرجا في ثوب وشي سعيدي كافوري، وأبو الجيش خلفه وحده راكب، لموضع خلافته والإمارة، والعالم من صغير وكبير وشريف وقاض وعدل، وكل من في البلد يمشون، وبين يديه من غلمانه، وخلفه من كل صنف، ومن قواده وسائر من بقي من أصحابه ما لا يحصيه إلا الله، جل وعز، فأتوا به إلى المصلى الذي كان بناه، فتقدم ابنه أبو الجيش فصلى عليه، وصلى الناس بأجمعهم، وعدلوا به إلى قبره وواروه في لحده، وخلوه وحيدا فريدا، أقرب الناس منه وأحبهم إليه من حثا عليه التراب، وانصرف عنه كل ذلك الجمع العظيم، وذهبوا حتى كأنه لم يكن منهم أحد، فتبارك الله أحسن الخالقين ومالك يوم الدين، [سبحانه لا يموت ولا يزول و]كل نفس ذائقة الموت.

قال مؤلف هذا الكتاب: لما انصرفت من جنازته

42

اجتزت بمنزل الواثقية، وكانت من عقلاء النساء، حسنة الدين، كريمة الطبع، وكان أحمد بن طولون محسنا إليها عارفا بمحلها، فاستأذنت عليها فأذنت لي، فدخلت فوجدتها قد أقامت له مأتما سرا، هي وجواريها وخواصها، يندبنه ويضربن بالعيدان على هذا البيت، ويرقصن على إيقاعه، ولا يزدن عليه شيئا غيره، وهن يبكين أحر بكاء وأحزنه:

يا عين بكي خالدا

ألفا ويدعى واحدا

Unknown page