160

فما سمعت والله أحر منه ولا آلم للقلب ولا أشجى من أصواتهن به، حتى أبكينني بكاء عظيما، وانصرفت من عندها حزينا كئيبا، فلما كان بعد أيام صرت إليها لأعرف خبرها فأصبتها بحال حزن عظيمة، فسليتها وعزيتها، فجعلت تحدثني بأحاديث أحمد بن طولون، وتصف لي أحواله، وتشكو وجدها به إلى أن قالت لي:

اعلم أنه لما جرى على المعتمد من الموفق ما جرى، من سوء الاعتراض والقدح في السلطان، بلغ ذلك منه مبلغا عظيما، فألف كلاما بالتركية، وقال لي: أريد أن ألقيه على [إحدى] جواريك، وتلحنيه أنت لها، وتغنيه حتى أسمعه منها، فأحضرت جواري فاختار منهن رويعة فألقاه عليها، فوالله ما سمعت أرق منه ولا أشجى، فلحنته لها فكان صوته عليها إلى أن اعتل، وتعلمه أيضا جواريه، فما كان يسمعه أحد إلا أبكاه وأوجع قلبه، فسألتها أن تسمعنيه، وكانت فصيحة بالتركية فقالت لي: ليس تفهمه لأنه كلام بالتركية مؤلف، ولكني إذا أنت سمعته فسرته لك بالعربية، ثم أحضرت رويعة جاريتها فغنته بلحن شجي وإيقاع حسن، فأبكاني وآلم قلبي، وما سمعت [صوتا] من المناحات أحرق منه للقلوب، وفسرته لي فكان:

غلب الضباب على الشمس حتى صار النهار ليلا،

وضعفت الشمس وانطلقت السماء بما لا يحسن منها،

فبكا الرأس من قهر البدر وصاح: ما خوفي؟ اقطعوني،

وأريحوني بالله من الملعونة، يا سيد الملوك طرا،

يا لعين تراك تقلع، ولسان يخاطبك يقطع، إن سيفي

قد خرج من غمده، وليس يرجع حتى ترجع إلى بيتك،

وقد أوترت قوسي وليس أحطه حتى تكفى أعاديك.

ثم قالت لي: قد سمعت حسنه بالتركية، وهو بالعربية فيه كلام - كما رأيت - غير مستحسن إلا عند من يعرفه بالتركية. فودعتها وانصرفت.

Unknown page