22

ولما وقف أحمد بن طولون على خبر العمري وشدة شوكته على البجة وغيرهم، خاف من سوء العاقبة في أمره إن أغفله فأنفذ جيشا عليه قائد من قواده يعرف بشعبة بن خركام البابكي، فلما قرب منه خرج إليه العمري وقال لأصحابه: لا تعجلوا فإن هذا رجل أعجمي، وأنا أخاطبه بنفسي وأنظر ما عنده.

فخرج من عسكره وقال لمن قرب من عسكر شعبة: إني أريد أخاطب الأمير قبل وقوع الحرب بيننا. فعرف شعبة ذلك فخرج إليه، فلما قرب منه خرج إليه العمري بحيث يسمع بعضهم كلام بعض، فقال له العمري: إن الأمير أحمد بن طولون لم يبلغه خبري على حقيقته، وقد موه عليه في أمري، إني لم أخرج أبغي فسادا، ويدلك على ذلك أني لم أوذ مسلما [ولا] معاهدا، وإنما خرجت في طلب أعداء المسلمين حتى كفانا الله أمرهم، فاكفف يدك عن القتال حتى أكتب إلى الأمير، أعزه الله، وأكشف له خبري، وتكتب أنت أيضا، فإن قبل عذري ولم تثقل عليه وطأتي وأمن جانبي، كتب إليك بالكف والانصراف عني، فانصرفت معذورا مشكورا، وإن أمرك غير ذلك امتثلت أمره غير ملوم، فقال له شعبة: لست أنا فيجا

63

لك أحمل كتابك، ما بيني وبينك إلا السيف. فقال له العمري: ما أنت بحمد الله شعبة الرجال، بل أنت بلعبة النساء أشبه، وما هذا الفعل السيئ والخلق القبيح إلا لمن هو كذلك.

ورجع إلى أصحابه وقال: هذا رجل جاهل أحمق فدونكم، فعطفوا به وحملوا عليه، فانهزم أقبح هزيمة، وعادة [شعبة] إلى أحمد بن طولون فعرفه ما كان، فقال: أخطأت وأسأت، كنت قد أمهلته، وكتبت إلينا بخبره على صحته، لنرى فيه رأينا، لكنك بغيت عليه فنصر عليك.

وأهمل أحمد بن طولون أمره مدة، فلما كان بعد شهور يسيرة وافى إلى أحمد بن طولون غلامان

64

زعما أنهما من غلمان العمري وأنهما أتياه برأسه، فاستحضرهما الرأس فأحضراه، فدعا بجماعة من أهل الصعيد ممن يعرف العمري فأراهم الرأس، فعرفوه وشهدوا أنه رأس العمري لا يشكون فيه، فقال للغلامين: كان صاحبكما مسيئا إليكما؟ قالا: لا. قال: فكان يمنعكما رزقكما؟ قالا: لا. قال: فركب بحضرتكما إثما استحللتما به قتله؟ قالا: لا. قال: فلم قتلتماه؟ قالا: لأنا أردنا بذلك الحظوة عند الأمير والقرب منه. فقال: ذاك والله أبعد لكما مني ومن الله، عز وجل. وأمر بضرب عنقهما فضربت وصلبت جثتاهما، وأمر برأس العمري فغسل وكفن وطيب ودفن.

ثم ورد عليه الخبر بخروج رجل في الصعيد أيضا يكنى أبا روح، واسمه سكن، من بوادي بحيرة الإسكندرية، ذكر له أنه من بقايا أصحاب ابن الصوفي، والتفت به طائفة كبيرة، فقطع الطريق وأخاف السبيل؛ فوجه إليه قائدا من قواده يعرف بيلبق الطرسوسي وكان جل أصحابه طرسوسيين، وكان أبو روح هذا غلاما عيارا قد ربي بالريف وعرف طرقاتها والحرب فيها، فلما اجتمعا للقتال أوقف أصحابه في أرض كثيرة الشقوق، حصيدة قمح، قد بقي من تبنه ما يستر شقوقه، وأهل الريف قد ألفوا المشي في هذه الأماكن ولا عهد لأهل طرسوس بها، فلما التقوا تطارد أصحاب أبي روح لهم، وطلبتهم خيل يلبق وفرسانه، فوقعت حوافر الخيل في تلك الشقوق فكبت بفرسانها، وسقط بعضهم على بعض، فتراجع أصحاب أبي روح عليهم، فقتل كل من سقط، وانهزم من سلم أقبح هزيمة، فعاد يلبق إلى مصر، فكان الذي لقي هو وأصحابه من غوغاء البلد وعطعطتهم

65

Unknown page