Sīrat Aḥmad Ibn Ṭūlūn
سيرة أحمد ابن طولون
بسم الله الرحمن الرحيم، وصل كتاب الأمير، أيده الله، وفهمته، وكان، أسعده الله، حقيقا بحسن التخير له في اختياره مثلي، وتصييره إياي عمدته التي يعتمد عليها، وسيفه الذي يصول به، وسنانه الذي يتقي الأعداء بحده؛ لأني دأبت في ذلك، وجعلته وكدي، فاحتملت الكلف العظام، والمؤن الثقال، باجتلاب كل موصوف بشجاعة، واستدعاء كل منعوت بغناء وكفاية، بالتوسعة عليهم، وتواصل الصلات والمعاون لهم؛ صيانة لهذه الدولة، وذبا عنها، وحسما لأطماع الشانئين لها، والمنحرفين عنها. وكان من هذه سبيله في الموالاة، ومحله في المناصحة، حريا أن يعرف له حقه، ويوفر من الإعظام قدره،
89
ومن كل حال جليلة حظه ومنزلته، فعوملت بضد ذلك من المطالبة بحمل المال مرة، والجفاء في المخاطبة أخرى، بغير حال توجب ذلك، ثم أكلف على الطاعة جعلا، وألزم للمناصحة ثمنا، وعهدي بمن استدعى ما استدعاه الأمير من طاعته يستدعي ذلك بالبذل والإعطاء والإرغاب
90
والإرضاء والإكرام، لا أن يكلف ويحمل من أطاعه مئونة وثقلا. على أني لا أعرف السبب الذي ينتج الوحشة، ويوقعها بيني وبين الأمير، أيده الله، ولا ثم معاملة توقع مشاجرة، أو تحدث منافرة؛ لأن العمل الذي أنا بسبيله لغيره، والمكاتبة في أموره إلى سواه [وتقليدي ليس من قبله ولا ولايته]
91
فإنه والأمير جعفر المفوض، أيدهما الله، قد اقتسما الأعمال، وصار لكل واحد منهما قسم قد انفرد به دون صاحبه، وأخذت عليه البيعة فيه، أن من نقض عهده أو خفر ذمته ولم يف لصاحبه بما أكد على نفسه، فالأمة بريئة من بيعته، وفي حل وسعة من خلعه، والذي عاملني به الأمير من محاولة صرفي مرة، وإسقاط رسمي أخرى، وما يأتيه ويسومنيه، ناقض لشرطه، مفسد لعهده، وقد التمس أوليائي، وأكثروا علي الطلب، في إسقاط اسمه، وإزالة رسمه،
92
فآثرت الإبقاء وإن لم يؤثره، واستعملت الأناة إذ لم تستعمل معي، ورأيت الاحتمال والكظم أشبه بذوي المعرفة والفهم، وأدنى إلى الظفر والنصر، فصبرت نفسي على أحر من الجمر، وأمر من الصبر، وما لا يتسع له الصدر. والأمير، أيده الله، أولى من أعانني على ما أوثره من لزوم عهده، وأتوخاه من تأكيد عقده، بحسن العشرة والإنصاف ، وكشف الأذى والمضرة، ولا يضطرني إلى ما يعلم الله، عز وجل، كرهي له، وإلى أن أجعل ما قد أعددته لحياطة الدولة من الجيوش المتكاثفة، والعساكر المتضاعفة، التي قد ضرست رجالها من الحروب، وجرت عليهم محن الخطوب، مصروفا إلى نقضها، فعندنا وفي حيزنا من يرى أنه أحق بهذا الأمر وأولى من الأمير.
ولو أمنوني على أنفسهم فضلا عن أن يرجعوا مني إلى ميل لهم أو قيام بنصرتهم، لاشتدت شوكتهم، ولصعب على السلطان معاركتهم، والأمير يعلم أن بإزائه منهم واحدا قد أبر عليه، وفض كل جيش أنهض إليه، على أنه لا ناصر له إلا لفيف البصرة
Unknown page