Sīrat Aḥmad Ibn Ṭūlūn
سيرة أحمد ابن طولون
104
مما كان يحمل إليهم من الميرة؛ فضجوا من تأخر ذلك عنهم، وكتبوا إلى أهل طرسوس يعرفونهم أنهم إن لم ينفذوا إليهم بما يحتاجون إليه على رسمهم، سلموا القلعة إلى الروم، فأعظم أهل طرسوس ذلك وخافوه، وجمعوا لهم من البلد خمسة عشر ألف دينار، وعملوا على حملها إليهم، فقال لهم أرخوز: أنا أحمل إليهم المال من قبلي لنصلح بينهم. فأجابوه إلى ذلك فكتب إليهم واعتذر من تأخير ما أخره، فلأنه أميرهم وصاحب الثغور قبلوا عذره، ورجوا استصلاحه، ولما سلم المال شرهت نفسه إليه، وقال: متى يجتمع لي مثل هذا؟ فاستولى عليه وعرفهم أنه قد أنفذه، فلما تأخر عن القوم المال انصرفوا عن لؤلؤة وسلموها، فاضطرب أهل الثغور بأسرهم من ذلك غاية الاضطراب وضجوا في الطرقات.
وبلغ المعتمد ذلك فأنكره، فدعت الضرورة إلى أن كتب إلى أحمد بن طولون في تدبير أمر الثغور وضبطها كما يرى، فلم يكن للموفق بعد ذلك حيلة في منعه منها، وكتب أحمد بن طولون إلى أخيه موسى وكان مقيما بطرسوس منذ وقعت بينهما تلك الوحشة بتقليده إياه لها فأبى ذلك، لما كان في نفسه منه، فكتب إلى إبراهيم بن عبد الوهاب وكان أيضا مقيما بها فامتنع تصاونا، فأنفذ إليها طخشي بن بلبرده
105
ووصاه بحسن العشرة لهم، وجميل السيرة فيهم، واحتمال هفواتهم ففعل، وحسنت سيرته بطرسوس، فأقام بها إلى أن مات، فاغتم عليه أهل طرسوس وسائر الثغور.
ومن إقبال أحمد بن طولون أيضا موت ماجور، وكان أحد من يعرب
106
عليه، ويسعى في أذيته فلا تمكنه، فلما بلغه موته حمد الله، عز وجل، على ذلك، واستخلف ابنه العباس على مصر وخرج من وقته، وأيد ابنه بكاتبه أحمد بن محمد الواسطي، ووصى العباس بالاقتداء برأيه، والامتثال لأمره، وألا يجاوز شيئا يرسمه، أو يشير به، وسار في شوال من سنة أربع وستين ومائتين، وقد خلا قلبه من عبيد الله بن خاقان وموسى بن بغا وماجور أعدائه، الذين كانوا يعملون الحيل في أمره وطلب هلاكه. وجد في السير واستكتب أبا الضحاك محبوب بن رجاء، وقدم كتابه إلى ابن ماجور يعزيه بأبيه، وكان صبيا إلا أن أصحاب أبيه قد أقاموه مقام أبيه في الرياسة، وتولى الأمر وتدبيره أحمد بن دعباش
107
التركي، وجه أصحاب ماجور والمقدم فيهم، وكان رجلا شهما جلدا عاقلا، سمحا بالمال، سخيا على الطعام، حسن الخلق، حازم التدبير.
Unknown page