43

123

فيه خيل مربوطة قريبة من المضرب، فخلع الآري

124

فنفرت الخيل وصيح بها فمرت نافرة تعدو بين المضارب وصاح هو ومن معه: الأعراب الأعراب. وأصحاب موسى متفرقون منهم من قد مضى يلتمس علفا لدوابه، وآخرون في حوائجهم ومن في الخيم، فمنهم من يشرب، ومنهم من يضرب بطنبوره ويغني لنفسه، ومنهم من قد سكر ونام. قد أمنوا أنهم لا يقدم عليهم أعراب ولا غيرهم.

فأول من خرج لما سمع الصوت موسى بن أتامش وحده ثقة منه بنفسه وشجاعته وإقدامه، وقد كان كذلك، وما كان يعبيه غير عجلة الإقدام، وهي التي تنسب إليه الطيش، فلما رآه أبو الأغر مر منهزما بين يديه فقصده موسى، وأقبل أبو الأغر يطمعه في نفسه، ويريه أنه قد خافه وهابه، وهو بين يديه يتطارد، ولج موسى في طلبه حتى قرب من موضع الكمناء، فناداهم بالعلامة بينهم، فخرجوا إليه من ها هنا ومن ها هنا، فعطف هو ومن اجتمع معه على موسى بن أتامش، فأخذوه أسيرا، وأقبلوا به يقودونه قودا إلى ابن جيغويه، فورد عليه وعلى الناس من ذلك ما تعجبوا منه وتحيروا له، وقالوا: ليس هذا بتدبير الأعرابي ولا برجلة

125

ابن جيغويه، ولكنه بإقبال أحمد بن طولون، تهيأ أخذ مثل هذا الأسد ما لم يطمع في مثله، فحيره إقباله حتى خرج بنفسه مبادرا ولم يعلم به أحد من غلمانه، ولا طلبه ولا استدعاه. وكان لما أن ركب موسى وعلم به بعض غلمانه وأصحابه ركبوا خلفه، فلم يدروا كيف ذهب، وكانت ليلة ظلماء فتفرقوا يمينا وشمالا، ولم يقدر لواحد منهم أن يسلك طريقه التي قصدها، ليتم القضاء المقدر لأحمد بن طولون، فلما وصل إليه اعتقله في حجرة فرشها له في داره، وفك قيده، وخلع عليه، وبلغ في إكرامه ما يستحق مثله، وخلع على أبي الأغر وأجازه، وزاد في رزقه ونوه باسمه، وقد كان جيغويه أجازه أيضا، وحمله وخلع عليه، قبل إنفاذه موسى بن أتامش إلى أحمد بن طولون.

قال: وعدنا إلى أخباره المشهورة في دهائه وعقله وحزمه، وجعلنا لخبر ابنه العباس بابا مفردا كما شرطنا، فمن ذلك أنه لما وجه بالواسطي إلى العراق كما ذكرنا في أول أخباره، واستكتب جعفر بن عبد الغفار، اضطرب بما حمله من الأمر ولم يكمل له، فقال له حمدان

126

بن خاقان: الأمير، أيده الله، يحتاج إلى كاتب أوفى وزنا من هذا الكاتب. فقال له: أنا أحتمله وأقنع به لأنه مصري. فقال له: والأمير، أيده الله، يرى أن الكاتب المصري أكتب من العراقي وأنهض بما يتولاه. قال له: اعلم أن أصلح الأشياء لمن ملك بلدا أن يكون كاتبه منه؛ فإنه يجمع بذلك أشياء تحمد عاقبتها؛ منها أن عيال الكاتب وشمله وكل ما يملكه معه في بلده. ومنها أن جميع ما يكسبه فيه، وإن كان ممن يرغب في تجارة كانت تجارته فيه، أو في شراء عقار أو بناء كان فيه. ومنها أن جميع ما يتجمل به ولده وعياله ويقتصده لهم من قليل وكثير ففي بلده، وما يعتقده

Unknown page