52

وارتفع الوحي، ولكن اعلم أنه إذا كان العقل صحيحا قل ما يخطئ وإلا فما منزلتي منزلة من يوحى إليه ولكني أزكن وأستدل فقل ما أخطئ، ومع هذا فإني رأيت البارحة في النوم هذا الشخص بعينه وكأنه يروم الدخول إلي فيمنع من ذلك، فكأنه يتسلق إلى طاق

149

في مجلسي ليرى ما أعمل. فكانت عبارة هذه الرؤيا تدل على أنه صاحب خبر لتسلقه علي وتجسسه، وكان ما قدرته.

ومن ذلك ما رواه تركان بن عبد الله بن الإمام، قال: جلس أحمد بن طولون يوما في مستشرف له على بعض بساتينه، وأحضر الطعام ومن يؤاكله من خاصته، فرأى من بعيد سائلا في ثوب خلق وحال سيئة، وهو جالس يتأمل المستشرف ومن فيه، فأخذ رغيفا وكان خبز الطولونية في الرغيف رطلين زائدين، فجعل عليه دجاجة وفرخا وفروجا وشواء لحم وقطع فالوذج كبيرة، ومن جميع ما كان بين يديه، وغطاه برغيف آخر، وجعل فوقه لوزينجا مع الفالوذج وغطاه برقاقتين، ودفع إلى بعض الغلمان، وأراه إياه، وقال له: امض سلمه إليه، وأقبل يراعي الغلام في دفعه إياه إليه وما يكون منه، إلى أن دفعه إليه، وعاد فعرفه ذلك، فلم يزل يتأمل السائل ساعة ثم أمر بإحضاره، فلما مثل بين يديه استنطقه فأحسن الجواب ولم يضطرب من هيبته، فقال له: الكتب التي معك هاتها، واصدقني صدقا ينجيك من ضرب السوط؛ فقد توسمت فيك بحسن عبارتك وثبوت قلبك وصحة عقلك. فاعترف له أنه صاحب خبر، وأن الكتب معه ما أوصلها ليدبر أمره في إيصالها، فوكل به حتى مضى وأحضرت الكتب.

قال تركان الإمام: فقال له طبارجي [وكان ذا دالة عليه وذا موقع منه]: أيها الأمير، إن لم يكن هذا وحيا فهو سحر، فقال له: لا والله يا هذا، ما هو وحي ولا سحر، ولكنه قياس صحيح، وتوفيق من الله، جل اسمه، وتفضل منه علي؛ رأيت هذا الرجل على ما هو عليه من سوء الحال فأشفقت

150

عليه، وعلمت أن مثله لا يصل إلى مثل ما بين أيدينا من الطعام، وأنه يرى في الأسواق ويشم من الروائح ما لا يصل إليه وتتعلق نفسه به، فأردت أن أسره بما أنفذته إليه، فوجهت إليه بما تشره إليه نفس الشبعان الواجد فكيف الفقير؟ فما هش له ولا مد يدا إليه، ولا رأيت من حسن القبول له والشهوة ما قدرته، فنفر قلبي منه، وقلت: هذا عينه ملأى وفي غنى عن هذا، هذا جاسوس لا شك فيه. فأحضرته فكان من أمره ما قد شاهدتموه من صحة خطابه واستيفاء جوابه، فازداد إنكاري لأمره لقوة قلبه واجتماع لبه، وأنه ليس عليه من شواهد الفقر ما يدل على فقره، وبعثه عقله على أن اعترف بأنه صاحب خبر، وصدقني عن أمره، ولا أسيء إليه وأثأثره وأطلقه، ففعل ذلك بعد ثلاثة أيام.

151

وحدث تركان بن الإمام عن أبيه قال: قال لي أبي: ركبت مع الأمير أحمد بن طولون يوما في السحر، وكان من عادته أن يركب سحرا في نفر من أصحابه، ويجتاز بالمواضع الشعثة يطالع منها جنايات أهل الشر في الليل، فمن ظفر به منهم أمر بضرب عنقه، فلقينا في الطريق صوائح، فوجه معهن من يخفرهن إلى حيث يقصدن، إلى أن لقينا صوائح أخر، فقال لصندل المزاحمي: انزل إلى هؤلاء الصوائح ففتشهن واحدة واحدة، فأخرج من وسطهن رجلين، وأمر بهما إلى المطبق وكانا ممن قد جد في طلبهما فلم يقدر عليهما، فقال له طبارجي: كيف تبينت، أيها الأمير، هذا من هؤلاء، خاصة وقد لقينا غيرهن ولم تفعل هذا بهن؟ فقال له: نعم، أولئك اللائي لقيناهن كان صياحهن بجد وحرقة وعلى غير تصنع، وكان صياح هؤلاء بتشاج وتصنع فعلمت أن معهن رجلا؛ لأن من شأن النساء التصنع للرجل، فكان ما ظننت.

وحدث شعيب بن صالح قال: كان لأحمد بن طولون رجل يثق به على كثير من أسراره،

Unknown page