53

152

يطالعه بها وما غاب عنه منها، فعرفه جماعة من الناس بذلك، فكانوا يهادونه استكفافا لشره وبسط يده للارتفاق

153

إلى أن كسب مالا عظيما، وانكشف أمره لأحمد بن طولون، وعلم أن قصده الارتفاق في النصيحة، فلما وقف الرجل على علم أحمد بن طولون به هرب منه خوفا على نفسه، فشق ذلك على أحمد بن طولون جدا، لاشتماله على ما عنده من أسراره، فرأى أحمد بن طولون في منامه كأنه حفر قبرا واستخرج منه ثعبانا عظيما، فقبض عليه بعنقه، وأخرجه من القبر، وجعله في جرة عظيمة، وسد رأسها، ثم أصبح فركب على رسمه مغلسا إلى العين التي بناها بالمعافر، فرأى جنازة امرأة وخلفها نحو من عشرة أنفس، وقد أخرجت في ذلك الوقت، فاستراب بها، فقال لمن يحملها: أين حفرتم لهذه الامرأة؟ فاضطرب الجماعة، وحطها وكشف الغطاء، فوجد الرجل الهارب منه، وقد رام الخروج عن البلد فأعجزه ذلك وضاقت به الحيل، فصنع هذا حتى يصل إلى الصحراء، فيذهب متنكرا في زي العباد، ويأخذ طريق الجبل، الصحراء الصحراء، إلى أن يتخلص، فأمر به إلى المطبق، واستصفى جميع ماله، وصحت رؤياه التي رآها، وزال غمه بها.

وحدث شعيب بن صالح قال: كنت مع أحمد بن طولون يوما في الصحراء فرأى حمالا وهو يحمل شيئا قد أثقله، وهو تحته يضطرب اضطرابا شديدا، فقال: لو كان اضطراب هذا الحمال من ثقل الحملة، مع ما أرى فيه، لغاص رأسه في عنقه، وما هذا منه إلا من رعب مما يحمله، فأوقفه وأمر بحط الحملة عنه، فحطت وفتشت، فإذا معه جارية قد قتلت وفصلت، فاستخبر الحمال عن القصة فقال له: أربعة نفر في دار دفعوا إلي هذه الحملة، وأعطوني دينارا فشرهت نفسي، لسوء حالي، إلى الدينار، فتحملت من حملها ما لا أطيقه. فقال له: فحضرت قتلها؟ قال: لا والله. قال له: أرني الموضع. وعاد مع الحمال إلى أن أراه الموضع الذي حمل منه، ووجد القوم بحالهم لم يهربوا بعد، فقبض عليهم وأمر بضرب أعناقهم، وضرب الحمال مائة مقرعة وأطلقه، وقال له: لو كنت حضرت قتلها لقتلتك.

وحدث حماد بن علي الأزدي، وكان أحمد بن طولون قد جعل إليه منع من هرب منه والتفتيش عنه، قال: تغير أحمد بن طولون على نعيم المعروف بأبي الذيب، فهرب منه، فأمر بطلبه وقال لي: لا تطلبه في داره بالفسطاط ولا في ضيعته سبراساط،

154

ولا عند أحد من إخوانه؛ فإنه أضعف قلبا ودينا من أن يقيم في هذه الأماكن، ولكن اطلبه في الديارات وعند النصارى فإنك تجده في زي راهب وقد دخل في جملتهم؛ لأنه حاذق بالقبطية فصيح بها. قال حماد: وطلبته هناك فوجدته كما وصف، فقبضت عليه، وجئته به على هيئته، فلما رآه قال له: إيش هذا الزي؟ أرتداد عن الإسلام؟ السيف والنطع. فقال: لا والله، أيها الأمير، ما ارتددت عن الإسلام وإنما تسترت بهذا الزي لأخفى، ولكن أين يتهيأ لي استتار منك ولغيري؟ وأنت كما قال النابغة الذبياني:

فإنك كالليل الذي هو مدركي

وإن خلت أن المنتأى عنك واسع

Unknown page