54

فأوقفه هذا القول من أن يجري عليه من المكروه ما كان معتقدا له فيه، لما كان فيه من الكرم والحياء لمن صدقه واستكان بين يديه، وأخذ خطه بمائة ألف دينار، وسلم الخط إلى محبوب بن رجاء كاتبه، وكان [في] محبوب شره ومحبة لأخذ المرافق، فوعده بخمسة آلاف دينار، وكتب له خطه بها، فسأله أن ينجم

155

عليه المال ليؤديه قليلا قليلا على حسب ما يتهيأ له وتتسع به حيلته، فكان كلما أحضر ما يؤديه لم يأخذ به براءة، واستدعى خطه فحط منه وكتب بباقيه، وكلما كتب خطه بالباقي صغر الخط ولطفه إلى أن حصل له من الأداء ثلاثون ألف دينار، وكتب الخط بسبعين في رقعة صغيرة، وأقام أياما وهو يذكر اضطرابه واحتياله بما يؤديه، ثم ذكر أنه أحضر ما يؤديه، واستدعى من محبوب خطه ليحط منه على الرسم، فدفعه إليه محبوب على الاسترسال والثقة والعادة التي قد جرت، ولارتفاقه منه بخمسة آلاف دينار، فلما حصل الخط في يده أكله وقال: ما بقي علي من مصادرتي درهم واحد إلا الخمسة آلاف المرفق التي خطي معك بها. فقامت على محبوب القيامة. ورفع الخبر إلى أحمد بن طولون فأمر بإحضارهما، فلما حضرا قال نعيم: قد أديت، أيد الله الأمير، جميع المال الذي أخذ به خطي إلا خمسة آلاف دينار. فذكر له محبوب حيلته وأكله للخط، فقال أحمد بن طولون لنعيم: احلف برأسي أنك قد أديت المال، ولم يبق عليك منه إلا ما ذكرت، وأن الذي ادعاه محبوب باطل ونحن نصدقك ونزيل المطالبة عنك. فقال: قد أديت جميع ما أخذ به خطي وسلم إلي خطي وحرقته، وإنما لما طولبت بخمسة آلاف دينار مرفقا خطي بها مع محبوب ولم يتهيأ لي أداؤها، ادعى علي بما ادعاه. فقال له أحمد بن طولون: يمكن أن يكون الأمر كما ذكرت، ولكن احلف برأسي على ما حكيت وقد برئت من المال، فقال: يعفيني الأمير، أيده الله، من هذه اليمين؛ فإني لست أحلف بها بوجه ولا بسبب، فقال له: لست أعفيك منها إلا بالصدق. فقال: إذا لم يعفني الأمير، أيده الله، فأنا أجل رأسه أن أحلف به إلا صادقا، والأمر كما حكاه محبوب، وما فعلت ما فعلت وحملت نفسي عليه إلا من إضافة شديدة غليظة، وأنه لم يبق لي شيء أرجع إليه فيما أديته، وقد كشفت حالي للأمير، أيده الله، فيرى في عبده ما يشبه كرمه ورياسته، فثناه هذا الفعل عنه، ورق قلبه له؛ لأنه كان إذا صدق لان وانعطف وأنعم، وبلغ منه فوق المحبوب، فأمر بإطلاقه، وحط ما كان بقي عليه، ورد ما أخذ منه، ورد إليه عملا يتصرف فيه.

وحدث شعيب بن صالح قال: ركب أحمد بن طولون يوما فسلك شارع الحمراء يريد الجيزة، فلما توسطه وقف ودعا بطخشي فأراه دارا هناك، وقال له: قف على هذه الدار توكل بها، واحذر أن يفوتك أحد ممن فيها، حتى تتصفح وجوههم واحدا واحدا، فإنك تجد شيخا صفته كذا وكذا، رأيته الساعة يتطلع من طاق في عقر

156

هذه الدار، فلما رآني أغلق الطاق فخذه وامض به إلى الدار إلى أن أعود إن شاء الله.

قال طخشي: وسار الأمير ووقفت على الدار، وأطفت بها الخيل والرجال، وأنزل إلى جميع من فيها وأتصفح وجوههم واحدا واحدا، فوجدت الشيخ على الصفة التي وصفها لي، فقبضت عليه، وصرت به إلى الميدان، ورجع الأمير فحين نزل دعا بالشيخ، فلما مثل بين يديه قال له: من أين الرجل؟ قال: من بغداد، قال: وما جاء بك إلى ها هنا؟ قال: صاحب خبر عليك، قال له: علي، قال: نعم، عليك. قال: ومن أنفذك متخبرا

157

علي؟ قال: الأمير أبو أحمد الموفق. قال: وبمن تعرف يا شيخ؟ قال: بالقطان الطالقاني . قال: فضحك أحمد بن طولون، لما أعجبه من صدقه، وقلة جزعه، وانحل غيظه، وقال له: اجلس. فجلس، فقال له: أبو من؟ قال: أبو جعفر، فقال له: قد سمعت بك يا أيا جعفر وكتب إلي بخبرك، وقد سررتني بصدقك إياي، وحرست نفسك بذلك مني، فمذ كم وردت البلد؟ قال: منذ سنة. قال له: ويحك! ولك هذه المدة منذ دخلت البلد وأمرك مستتر عني؟ قال: نعم. قال: فكيف تقف على أخباري وهذه حالك في الاستتار؟ فقال: معي عشرة يدورون في البلد، ويرفعون إلي أخبارك، وأكتب بها. فقال له: وكيف قدرت على الدخول إلى البلد مع ضبطي طرقه؟ فقال: ركبت البحر من أنطاكية إلى تنيس

158

Unknown page