55

ومنها إلى مصر. فقال: صدقت، أما هذا فما ضبطناه ولكن من الآن.

ثم قال له: يا أبا جعفر، إنك هو ذا تحسن وتجمل إلي وإلى نفسك في صدقك إياي، وقد أمنك الله، عز وجل، وأزال خوفك، فاصدقني أيضا عما أسألك عنه ولا تنافقني متقربا إلي، هل ترى في سيرتي شيئا تنكره أو في تدبيري سياستي ما تذم؟ مع تأملك لذلك منذ سنة، قال: لا، والله الذي لا إله إلا هو، وبالله إني لأكتب بذلك وبما هو لك لا عليك، وإني لأعلم أنه يسوء من أكاتبه به، ولكن الصدق يبعثني عليه رضي به من رضي، أو سخط من سخط؛ لأني ما أقول فيما أكتب به إلا حقا؛ لأن أفعالك كلها حسنة جميلة، مضبوطة محفوظة مستقيمة، فإن الذي أكتب به من ذلك لمما يزيد به حالك في قلوبهم خوفا وهيبتك في نفوسهم عظما وجزعا وذعرا. فقال له: حسبي يا أبا جعفر، أحسن الله إليك.

ولكن يا أبا جعفر، كتب إلي عنك بستر ودين وصدق لهجة وغنى عما حملت نفسك عليه، فلم رضيت لنفسك بخدمتهم في هذه الحال العظيمة التي يركب صاحبها فيها خطة لا يدري ما عقباها؟ وهذا أيضا مع بعد الطريق وتكلف المشقة العظيمة فيها وعظم المخاطرة. فقال: أيها الأمير، أجبرت وخوفت، فسمعت وأطعت، ولم يمكني الخلاف؛ لأن لي في بلدهم عقارا وعيالا وأهلا وتجارات، ولولا ذلك لاخترت، لما ندبت له، الهرب من بلدهم، ولما استجبت، إلا أني اشترطت عليهم أني إن وقعت في يدك، وسألتني عن شيء، صدقتك فيه، وقدرت أني أدفع بذلك عني ما دعيت له، فلم يثنهم ذلك، وأذنوا لي فيما شرطته عليهم من صدقك عما تسألني عنه من قليل وكثير، فحمدت الله، عز وجل، على ما ابتلاني به من ذلك، وصبرت عليه، وعملت على أنها مصيبة من المصائب التي تلحق الناس لا يمكنهم دفعها عنهم، وعملت على أنك، أيها الأمير، إذا وجدتني لم تستبقني، فما خرجت حتى أوصيت كما يوصي من تحضره الوفاة؛ إذ كنت لم أجد بدا من ذلك، وقد أخلف الله، جل اسمه، ظني، وأزال خوفي، بكرم طباع الأمير، أيده الله، ورأفته؛ فلولا ذكاء الأمير، أيده الله، وحدة خاطره، وقوة حسه، وصحة ذكائه، بما وهبه الله الكريم له من ذلك، لما فطن لي وقد رآني أتطلع من طاق، وما أنكر عند ردي باب الطاق حين رأيته، فكان ما ظنه ووقع له في حقا. فقال له الأمير: والله يا أبا جعفر كذاك، ما أنكرت غير ردك باب الطاق حين رأيتني، وإن فطنتك يا أبا جعفر لحسنة، ولولا ما فيك من الفضل والذكاء والعقل لما علمت بذلك، فهل لك إلى ما أدعوك إليه؟ فقال: يأمر الأمير، أيده الله، بما أمتثله، إن شاء الله. فقال له: أدعوك إلى خدمتي كما خدمتهم مع مجانبة الخلاف علي. فقال له: قبيح أيها الأمير أن أدع قوما سبقوك إلي وخلطوني بأنفسهم ووثقوا بي، فلا يجوز أن أكون عليهم بعد أن كنت لهم ومعهم، وإذا لم أصلح لصاحبي الأول لم أصلح للثاني.

فاجتهد به أحمد بن طولون فلم تجد فيه في ذلك حيلة، مع ما فيه من البذل والعطاء، وقال له: لأن يقتلني الوفاء أيها الأمير أحب إلي من أن يحييني الغدر، فزاد بذلك في محله عنده، فقال له: إذا كنت يا أبا جعفر قد أبيت فاختر، إن أحببت المقام عندي من غير خدمة تكرهها ولا تختار التصرف فيها فبالرحب والسعة، وإن أحببت الرجوع إلى صاحبك أطلقتك. فقال له: إذا كان الأمير، أيده الله، قد خيرني بكرمه فالرجوع إلى الأهل والوطن آثر عندي مما أوثره من التصرف بين أمره ونهيه، وإن كانت المروءة هي أوجبت علي حسن الوفاء لمن وثق بي فلن أكون بعد منصرفي عن الأمير، أيده الله، إلا متصرفا بين أمره ونهيه هناك، مجازاة لجميله، أيده الله، الذي شملني، وإحسانه الذي قد عمني. فقال له: أحسن الله جزاءك يا أبا جعفر، وكثر في الناس مثلك.

وأمر سوارا الخادم فأخذه إليه على حال تكرمة، فأقام في داره ثلاثة أيام، تقام له في كل يوم مائدة حسنة، ولا يزال أحمد بن طولون يتبعض

159

له وهو يأكل من كل ما يستطيبه، مما يقدم إليه من طعام وحلواء وفاكهة، ويستدعيه ليلا، فلا يزال يحادثه ويسائله عن أخبار الموفق، وما يحتاج إلى علمه، ويؤانسه إلى أن يمضي الليل إلا أقله، فلما كان في اليوم الرابع أحضره فقال له: يا أبا جعفر، الضيافة ثلاثة، ولا أشك في تعلق قلبك بمخلفيك، ويعز علي والله مفارقتك إلا أني لا أحب أذيتك، وأختار مساعدتك، وأمر له بعشرة آلاف دينار وعشرة أسفاط ثيابا، وخمسة أرؤس من الدواب، وثلاثة غلمان وطيب كثير، فكن مقدار ذلك عشرة آلاف دينار أخر، فلم يقبل شيئا من ذلك إلا سفطا واحدا من الثياب، وبغلا واحدا، ودينارا واحدا من المال، وقال: أيد الله الأمير، أنا والله من وراء نعمة عظيمة واسعة، ولي مع ما كنت وصفته للأمير، أيده الله، ضيعة ترد علي في كل سنة عشرين ألف درهم، وفي أخذي من الأمير، أيده الله، ما أمر لي به تغنم لا أستحسن فعله، ويقبح بي وصفه. وقد أخذت مما أمر به الأمير، أيده الله، ما أتشرف بلبسي له، وأتجمل بركوبي بغلا من بغاله، وأنفق يوم أدخل بلدي هذا الدينار، والله لا أنفقت يومي غيره تشرفا به، فإن رأى الأمير، أيده الله، أن يتمم سرور عبده ويدعه وما اختاره، ولا ينقض علي حمله فعل وأحسن بها إلي. فازداد بذلك أيضا في قلب الأمير أحمد بن طولون جلالة ورفعة، ووصاه بما احتاج إليه وودعه، وأنفذ معه من يشيعه، وكتب له جوازا وكتبا إلى سائر أعماله يأمر أصحابه بها بتلقيه وتشييعه وخدمته، وخرج وأحمد بن طولون يتأسف ألا يكون مثله في خدمته، وقد ملأ قلبه وصدره بحسن وفائه لصاحبه.

فلما وصل القطان إلى الحضرة لم يدع جميلا ولا حالا تصلح ما بين الموفق وأحمد بن طولون إلا بلغها، من حسن طاعته، وحسن سيرته، وضبط أمره، وحزمه، وجودة تدبيره، وقوة أمره، فثنى ذلك الموفق إلى الرجوع له، ووقف طيفور خليفة أحمد بن طولون هناك على ذلك وعلى انثناء الموفق له، فكتب إلى أحمد بن طولون بذلك ويقول: أحسن الله جزاء القطان، وكثر في الناس مثله؛ فلقد قويت يدي به منذ ورد إلى الحضرة وبما جرى منه مع الموفق، ويقول في كتابه: ومن العجب أن يحضر مثل هذا الرجل بحضرة الأمير فيغفل إلزامه قبول بره بكل حال. ولم يعلم طيفور بما عمله أحمد بن طولون معه، فلم تجد فيه حيلة. ويذكر عظم محله عند الموفق، ونبل منزلته منه، فكان أحمد بن طولون يقول: ما أسفت على شيء كتأسفي ألا أكون ألزمت القطان قبول خمسين ألف دينار ومثلها أعراضا ويقول: رزقي الله صاحبا مثله.

ولم يزل أحمد بن طولون يكاتبه في مهماته وحوائجه وما يحتاج إليه من مخاطبة الموفق، فيبلغ له في جميعه ما يحبه إلى أن مات أحمد بن طولون، فلما مات بلغ القطان موته فحزن عليه واغتم غما عظيما، وبلغ الموفق ذلك عنه فلم ينكره عليه، وكان يحضره في كل وقت ويسأله إعادة أخباره عليه، فيذكر كل ما كان يشاهده منه ومن سيرته، وحسن سياسته في داره وحاشيته، وحسن مملكته، وعظيم هيبته، وكثرة صدقاته ومعروفه، وتفقده المستورين وأولاد النعم، وإجرائه عليهم الرزق، وما يعمل من الأطعمة في كل يوم جمعة، وحضور الضعفاء وغير الضعفاء من المستورين، وإشرافه على ذلك بنفسه حتى يأكلوا، ويؤمرون ألا يخرج أحد أو يزل

160

Unknown page