Sīrat Aḥmad Ibn Ṭūlūn
سيرة أحمد ابن طولون
معه ما يقدر على حمله، ينصرف به إلى عياله، وما كان يجد في ذلك من اللذة والسرور والفرح، وأنه جعل ذلك عوضا من القصف والشراب وسماع الغناء وما يستعمله مثله من ذلك. وكلما سمعه الموفق يذكر من هذا شيئا يبكي ويترحم عليه، ويبكيان جميعا؛ فلم يكن للموفق أحد يعاضده على الغم بأحمد بن طولون إلا القطان، ويستر ذلك الموفق عن الناس كلهم إلا القطان، فكان هذا الفعل من الموفق للفضل الذي كان في الموفق، فعرف به فضل أحمد بن طولون؛ فإنه ليس لهم في مملكتهم أنصح منه ولا أوثق، ولا أضبط ولا آمن، وإنما كان ذلك الفعل من الموفق من الانحراف عنه، غيرة عليه ألا يكون ما يفعله للمعتمد له.
ولما تواترت الأخبار بموت أحمد بن طولون وصح ذلك عند سائر الناس؛ لأن الذي كان قبل كان بين مصدق ومكذب، كان من الموفق حينئذ ما نأتي به مشروحا مبينا إن شاء الله.
ومن إنصافه وحسن تأتيه، وبطلان كثير مما يشنع عليه، وإقامته له العذر فيما يأتيه، أن وكيلا له يعرف بابن مفضل صحبه ولا شيء له، ففوض أمره كله إليه، فاستولى عليه، وكان من بين الوكلاء حازما ذكي القلب شهما باذلا كافيا يحسن الخدمة، ولم يكن يقعد به إلا بخل كان فيه، ولجاج في الشيء إذا خوطب فيه يملكه فلا ينحل عنه، حتى إنه كان يتبع ما تضره اللجاجة فكان هذا عيبه، فوصل إليه من الارتفاق ما لم يصل إلى أحد من حاشية أحمد بن طولون ولا أهدي إليه، وكبرت أحوال أحمد بن طولون، فكبرت مرافق ابن مفضل واتسعت أحواله.
وكانت نفقات مطابخ أحمد بن طولون وراتبه من ضياع إقطاعه، فتقدم إلى ابن مفضل في وقت اختاره ألا يضع يده على شيء من مال هذه الضياع، وذكر له أنه يريد مالها لطرسوس، فلما انقضى الشهر وافى نفيس الطباخ إلى ابن مفضل يستدعي منه إطلاق النفقات على الرسم للمطابخ، فقال له: قد حظر الأمير علي الجهة التي كنت أطلق لك مالها، فقال له نفيس: فتحتال لي بما ننفقه اليوم، وتستأذن الأمير الليلة فيما يستأنف. فقال له: ما عندي حيلة. فقال له: إن النهار يمضي. وقال: حدثنا في شيء مما نحتاج إليه مما لا بد للأمير منه. فقال له: كذا اختار إيش في يدي؟ قال: فأعطل؟ قال: ذلك إليك. قال: فأذكر هذا للأمير؟ قال: ذاك إليك، افعل.
فدخل نفيس إلى أحمد بن طولون فعرفه الخبر، فأحضر ابن مفضل فقال له: ويحك ما كانت لك حيلة في إقامة نفقات المطابخ يوما واحدا، إلى أن نطلق لك من جهة نختارها ما تحتاج إليه؟ فقال له: لو تهيأ لي ذلك لما توقفت عنه، وإنه لمتعذر علي. ثم قال له: احلف بالله ثم برأسي أنك ما تملك ذلك. فحلف فدعا سوارا الخادم، وكان خادما جريئا، صفيق الوجه، قاسي القلب، فقال له: امض الساعة واقبض على كل ماله، واحمل إلي الساعة ما تجده من العين، واختم على ما سواه. فمضى سوار وقبض على كل ما وجده له في داره، فوجد له من العين ثمانين ألف دينار
161
فحملها إليه، وختم على ما بقي، وعاد إليه فعرفه بجميعه، فأمره ببيعه كله، فبيع بعشرين ألف دينار سوى ما استهلك وتمزق وتفرق، وسلم ابن مفضل إلى سوار فكان آخر العهد به.
وحدث شعيب بن صالح قال: شنئت نفس أحمد بن طولون استخدام الكتاب، لما وقف على حال ابن مفضل وقبح فعله، وجرأته على اليمين الكاذبة، وكان ذلك يشتد عليه جدا، واحتاج إلى من ينوب منابه، فسنح له ذكر كاتب كان يكتب لحسين الخادم المعروف بعرق الموت، كان لما قدم معه إلى مصر شاهده فخف على قلبه وافترس فيه خيرا فتتبعته نفسه. وكان هذا الخادم حسن العقل، راجح الوزن، يتقلد البريد بمصر، وكان أحمد بن طولون يعرفه من الحضرة، ويعلم منه حسن اختيار فيما هو بسبيله، فتيقن أنه لم يختر من كتابه إلا مختارا، وهو رجل يعرف بحسن بن مهاجر فمال إليه وسأل عنه ، فأحضره وساءله عن بلده وسبب تعلقه بحسين الخادم فقال: ولدت بالرقة وكان والدي يتوكل لحسين هذا في ضياع هناك، فاجتاز به في مسيره إلى مصر، فطالع ما جرى على يديه فأحمد أمره فيه، وتأملني وأنا بين يديه أكتب فمال إلي، فقال لوالدي: خرجت من الحضرة ولم أستصحب منها كاتبا لما أعلمه منهم من الجرأة ولطف الحيلة، وأنهم للعامل الخائن أوفق منهم للناصح، وأحب أن تصحبني ولدك هذا وتؤثرني به فإني أقنع به وأرجو إن يحسن تأديبي له أن يبلغ ما تقعده عنه الحداثة، ويتخرج معي فأبره وأكرمه عن غيره،
162
فشق ذلك على والدي لمفارقتي له، ولم يتهيأ له مخالفته، فسلمني إليه، وألزم نفسه تأديبي وتقويمي، كما يتولاه الوالد من ولده، حتى إذا هو تبين اضطلاعي بما يسنده إلي سلم إلي ديوان البريد، وقال لي: يا بني احفظ ما أوصيك به، احذر أن أراك في دار غير داري، ولا تسكن إلى أحد سكونك إلي؛ فإن تفويضي إليك يوجب لي ذلك عليك، وليكن إيثارك لحسن الذكر أكثر منه لكسب المال، وطلبتك للصواب أكثر منه لحسن الذكر، وإن شق عليك تحمله فإنه أحمد عاقبة فيما تأتيه من غيره، مما لا مشقة عليك فيه، ولا تنزعن إلى إنفاق ما تكتسبه بابتياع الأعراض النفيسة والملابس الرائعة؛ فإنك لا تزيد بذلك إلا في عين ناقص الفهم والحال؛ لأن من قوي تمييزه إنما يطالع ما صدر عنك من فضل، واستعرضه فيك من طبع، فإذا غلب عليك إيثار شيء يحسن به ظاهرك فطالع يمنه في حاصلك، واعلم أنه في يدك متى شئت من غير أن تغري بك كل حاسد أو باغ، ولا تذكرن لأحد من حديثي ما يسهل عليك إذاعته، فيجترئ بذلك على إذاعة ما يقف عليه من سري، واطو ما تستعرضه مني طي الصحيفة، واحذر أن يسبقك أحد إلى مطالعتي بما أتوكفه،
Unknown page