57

163

وقد أمرت لك بكذا وكذا دينارا، لتتأمل بها زيادة عطيتي على عطية خيانتي واشتمل على أمري، وقابل ما ابتدأتك به بما يقصي عنك سوء الفيء لديك، وفقك الله وسددك.

فقال له أحمد بن طولون: فمن خدمت بعده؟ فقال: ما استرحت إلى سواه، ومعولي فيما يقيمني على جزء مما أفادنيه غنيت به عن سواه، فأنا أستغله مع قوم أثق بهم وبموداتهم وحسن معاملاتهم، فأصرف الفضل فيما ينوبني وأرد الأصل إلى موضعه. فقال له: وكم صرف إليك حسين الخادم؟ فقال: أربعة آلاف دينار وهي كانت أكثر ما كان في حاصله في ذلك الوقت، فقال له: فما أحب من كاتبي إلا ما وصاك به صاحبك لا زيادة عليه، وقد أمرت لك بمائة ألف دينار، فإذا جريت على ما وصاك به صاحبك، فهذا المال قليل من كثير لك عندي. وخلع عليه وحمله، وألزمه خدمته، فلم ينكر منه أحمد بن طولون إلا تحامله على الناس له ليحظى بذلك عنده.

فقال له يوما: قد صحت عندي نصيحتك، وأنت غير محتاج أن تتحامل على أحد لتزيد عندي، وأنت تجني على نفسك بذلك من الآثام واستيحاش الناس مني أكثر مما تحوزه لي من الحظ، واعلم أنك تزرع في قلوب الناس بما تأتيه حقدا لا تفنيه الأيام، بل تتوارثه الأعقاب، فاطلب الشكر من الناس؛ فليس يكرهه إلا ناقص المعرفة، جاهل بما يوجبه حسن السياسة، غير عالم بما في باطن النصيحة، فميز الناس تمييز عادل؛ تلق شرارهم بغلظتك، وخيارهم برأفتك.

قال: فسألت نسيما الخادم عن المائة ألف دينار التي دفعها إليه أحمد بن طولون، فقال: هي المائة ألف من المائة ألف التي أخذها من ابن مفضل، تركها معزولة بحالها ناحية حتى يرى فيها رأيه، فلما استكتب ابن مهاجر أمرني بدفعها إليه.

قال صالح بن علي: جرى في مجلس لابن عبد كان ذكر محبوب بن رجاء وحسن بن مهاجر، فطعن عليهما أكثر الحاضرين، فقال ابن عبد كان: الصدق أجمل ما يؤثر، في كل واحد منهما فضل بين، وإنهما لعلى أفضل طريقة؛ أما محبوب فسريع الجواب، حسن الانتزاع

164

حلو المكاتبة، وأما ابن مهاجر فوقور [النفس] مستصغر لنصيحة من ينصحه، بعيد الغور، لا يؤثر على توفير مال صاحبه ، وعلى ما زين حاله عنده شيئا من أعراض الدنيا، ولقد اجتمعا وقت المناظر وكل واحد منهما مغيظ على صاحبه، فقال حسن لمحبوب: أمرني الأمير أن أجلس في حلقك حتى تفصل ما أثبته من الحساب الذي رفعته، فقال له محبوب من وقته: لو جلست في حلقي قذفتك في المخرج، فأضحك جميع من حضر وانقطع ابن مهاجر ساعة ثم تناظرا، فقال محبوب لحسن: أنت شاب حدث غر، والصواب لك أن تستشعر خوف الأمير. فقال له حسن: والله ما أخافه. فقام بها محبوب وقعد، ورفعها أصحاب الأخبار إلى أحمد بن طولون، فدعا بهما وقال: ما هذا الكلام الذي جرى بينكما؟ فقال له محبوب: ذكر حسن أنه لا يخاف الأمير. فقال له أحمد: هو ذا تسمع يا حسن، فقال: كذا قلت أيها الأمير؛ لأني قد استغرقت جهدي في نصيحتك، وقد أمنت جورك وليس مع هذين ما يخيفني منك. فقال له: صدقت، الأمر كما وصفت، بارك الله عليك وفيك. وذهب حسن بن مهاجر إلى قول الأحوص في عمر بن عبد العزيز:

وأرى المدينة منذ صرت أميرها

أمن البريء بها ونام الأعزل

Unknown page