58

ولقد أحسن ابن مهاجر في ذلك.

وشبيه بهذا ما روي عن عمر بن الخطاب، رحمه الله، أنه اجتاز ببعض سكك المدينة فرأى صبيانا يلعبون، فيهم عبد الله بن الزبير، فهربوا جميعا غير ابن الزبير، فقال له عمر: ما لك أنت لم تهرب كما هرب أصحابك؟ فقال: لم آت جرما فأخافك، وما بالطريق من ضيق فأوسع لك. فأعجب عمر قوله، ومضى وهو يقول: لله درك! وبارك الله عليك.

قال: وذكر أيضا محبوب بن رجاء في مجلس ابن عبد كان فقال قائل: إنما كان مقبلا بإقبال صاحبه، فلما مات أدبر، فقال ابن عبد كان: دعونا من هذا القول. لقد كان بين الفضل. لقد أمرني أحمد بن طولون يوما بإنشاء كتاب يقرأ على المنبر فأنشأته، ودفعته إلى محبوب ليقرأه وكان فصيحا، فدفعه محبوب إلى غلامه صاحب دواته ليحمله إلى الجامع، وتركه الغلام في منديل العمل،

165

وركب الأمير إلى الجامع، وحمل الغلام ثلثا نقيا، وهو يقدر أنه الكتاب، فلما صعد محبوب المنبر ناوله الغلام الثلث النقي، فلما نشره محبوب علم أن الغلام غلط ونسي، فاندفع ومضى به يقرأ، وينشر الثلث ويطوي ليوهم من يراه أنه يقرأ منه، مثل ما كان في الثلث، وما شذ عنه منه شيء، بألفاظ عذبة حسنة المعنى في الذي قصده، وأتى على ما كان نفسه، فلولا أنني الذي أنشأته لشككت فيه، وما فطن به أحد غيري، بل تبين منه الأمير بعض الاضطراب لذكائه وحدة خاطره وقوة حسه.

فلما نزل عن المنبر أمر أن يؤخذ منه الغلام فأخذ، وما خاطبه حتى صار إلى الدار فأحضره وقال له: ويحك! إنك قد أتيت بمثل ما كان في الكتاب، ولولا ما فيك من الفضل لافتضحت، فكيف جرى هذا؟ فعرفه غلط الغلام فقال له: إن لم تؤدبه على هذا أدبا يمنعه من تركه مراعاة أمرك جرى عليك بعده أعظم منه، وأمر بإحضار الغلام فأحضر، فضرب بين يديه مائة مقرعة، وقال لمحبوب: إن اخترت أن تستبدل به فافعل، وإن علمت هذا الأدب قد أصلحه فدعه على رسمه. ثم قال ابن عبد كان: وإن كان الرجل يقبل بإقبال صاحبه كان، فله فضل طبيعة وحسن صناعة.

وعدنا إلى أخباره الموجبة له العذر فيما يأتيه من العقوبة؛ فمنها خبر ابن شعرة، وكان ابن شعرة

166

هذا يضحك المتوكل على الله، وكان يغني أيضا، وكان قد انضوى إلى ابن مدبر لصبابة خراجيات

167

Unknown page