Sīrat Aḥmad Ibn Ṭūlūn
سيرة أحمد ابن طولون
كانت له بمصر، فكان لما يعلم من كره أحمد بن طولون لابن مدبر يذكره عنده، فأحضره ونهاه عن ذلك، فكأنه إنما أغراه بنفسه ولم ينته، فأقبل على حملته يتقرب إلى ابن مدبر بذكره كل ما سمعه، يذكر ثقل وطأته عليه، ويتبرم بمكانه معه في البلد، فبلغه أيضا ذلك، فوجه إليه من نهاه فلم ينته، وبلغه عنه ما ينفره مثل ذلك، فأحضره وقال له: ويحك! انته عما يبلغني واحذر مني ويلك، فلن يبلغني عنك بعد هذا شيء أنكره إلا أتيت على نفسك، فعاد إلى ابن مدبر بعد أن حلف له أن جميع ما يبلغه تحيف عليه، فلما عاد إلى ابن مدبر دخل خزانة الكسوة، وليس منها مثل ما كان على أحمد بن طولون، وخرج إلى ابن مدبر فجلس مثل جلوس أحمد بن طولون وحاكاه، وأعاد ما خاطبه به، وأقبل ابن مدبر يضحك منه ويعجبه ذلك، وبلغ ذلك أحمد بن طولون. واتفق في الوقت أن السعر بلغ، واضطرب البلد لذلك. على أن السعر كان إذا تحرك في أيامه كان خمسة أرادب بدينار وأربعة، وإلا فكان من العشرة إلى ما دونها مما ذكرناه، فركب أحمد بن طولون ليهدئ الناس، ويعاقب قوما من القماحين والدقاقين، وينظر فيما يصلح أمر الناس في البلد، فلما بلغ إلى مسجد عبد الله ازدحم النساء من السطوح ينظرن إليه، وأشرفن من كل دار، فاطلعت امرأة من دار ابن شعر من أعلى سطحها من بين مركني
168
ريحان، وجاءت أخرى لتنظر معها، فازدحمتا، فرمت إحداهما أحد المركنين الريحان، فسقط للمقدور على كفل دابة أحمد بن طولون ولم يشعر به، فوثب الفرس ونتره من سرجه، ولولا ثبوته في ظهره لرماه الأرض.
فسأل عن الدار لمن هي؟ فقيل: لحسن بن شعرة، فأحضره في الوقت، وشق عنه، وضربه في موضعه خمسمائة
169
سوط، وهدمت داره، وطيف به البلد على جمل، فبلغ ما كان في نفسه منه، مكافأة على قبيح أفعاله به مرة بعد مرة، وهو يحذره فلا يحذر.
وعاد وقد بلغ في أمر السعر ما أحب وأحب أهل البلد، وكثر الضجيج له بالدعاء على ذلك، وتصدق في ذلك اليوم بجملة عظيمة شكرا لله على كفايته.
ومن ذلك أنه كان له بسر من رأى صديق من أولاد الموالي قد برع في الكتابة والأدب، وحسن الافتنان في العلوم، وحلاوة الشاهد، فلما استقلت أحواله بمصر وعظمت، كتب إليه يستزيره ويذكر له أن الحال التي قد هيأها الله، جل ذكره، لا تهنئه إلا بمشاركته فيها، وأتى في ذلك ما يأتيه الكرام مع إخوانهم إذا رزقوا حالا استبدوا بها دونهم، فأجابه أن السفر يشق عليه والبلد بلد شاسع، لا يكاد يعهد السفر إليه، ويذكر من شوقه إليه أضعاف ما ذكره في كتابه، وأن اليسير الذي في يده يقنعه ويغنيه عما سواه، ويشكر له فعله، فغم ذلك أحمد بن طولون وساءه تأخره عنه، لما كان بينه وبينه من المودة والعشرة والأخوة، فأراد الإفضال عليه والأنس به.
فلما سرفت الحال بينه وبين الموفق ورد كتابه عليه يذكر فيه أن شوقه إليه قد تزايد، وأنه ل يطيق الصبر عن زيارته، وأنه قد سهل عليه تحمل مشقة السفر، لما قد استولى على قلبه من محبة النظر إليه ويستأذنه في الرحيل إليه.
فاستبشر أحمد بن طولون بذلك، وأذن له فيه، إلا أن نفسه لقوة ذكائه نفرت بعض النفور. وكتب إلى خليفته طيفور يأمره أن يستكشف له خبره، ويشرح له صورة أمره بالحضرة، وإلى من ينقطع بها، فكتب إليه أن حاله حسنت في دار السلطان، ومنزلته قد ظهرت، وأن بينه وبين الموفق صلة قوية، وله منه منزلة كبيرة.
Unknown page