Sīrat Aḥmad Ibn Ṭūlūn
سيرة أحمد ابن طولون
ولم يمض إلا مديدة يسيرة حتى وافاه خبره أنه قد قرب من البلد، فأخرج إليه وجوه أصحابه وقواده وتلقوه بالعباسة،
170
فلما وصل بلغ منية مال الله
171
أقام له الجيش سماطين
172
في أحسن زي إلى الميدان، ومن الميدان إلى داره، وأوقف من باب قصره إلى مجلسه الروم والترك والمستوقدات والعمد الحديد، ودخل الرجل يشق هؤلاء كلهم حتى وصل إليه، فكاد عقله يطير مما رأى وشاهد، مما لم يظنه ولا قدره.
فلما قرب منه قام إليه أحمد بن طولون فتلقاه، وأجلسه معه، وأكب عليه يسائله عن أحواله، وقد أعد له حجرة في قصره وفرش له فيها، وأعد له جميع ما يحتاج إلى من كل شيء حسن جليل له خطر وحسن من قليل وكثير، فلما خليا ساعة وتحدثا دعا بالمائدة فأكلا، ولم يزالا في حديث ومؤانسة إلى وقت العشاء الآخرة، فقال له أحمد بن طولون: أنت قد تعبت وتحتاج إلى راحة، فإن نشطت إلى أن تخلو لذلك في دارك فعلت. فقام الرجل إلى تلك الدار، وأتبعه غلمانه وحجبه يسبقونه إليها، فلم يمض من الليل إلا أيسره حتى أمر خاقان الطرسوسي بالقبض عليه، والاحتياط على جميع ما معه، حتى لا يفوته منه شيء.
وكان إذا جرى منه شيء في هذا الباب كشف لأصحابه عن وجه الخبر فيه، ليزول عن قلوبهم التعلق بما يجري منه، فلما انقضى أمر الرجل ومضت له ثلاثة أيام أقبل على جماعة من وجوه أصحابه وقواده، فقال: اسمعوا خبري مع هذا الرجل الذي استدعيته لأقضي حقه وحق الصحبة التي كانت بيني وبينه والمودة، ولما أعلمه من حاله ليشركني في نعمة الله عندنا، فأبى وامتنع علي، واستبعد الطريق إلينا، فغمني ذلك.
ولما كان في هذا الوقت كتب يستدعي ويذكر شوقه إلينا، ويسأل الإذن له في مصيره إلينا، فأذنت له في ذلك، وآثرت مشاهدته، وكتبت إلى خليفتي بالحضرة ليستكشف لي حاله هناك، فكتب يذكر أن حاله قد حسنت في دار السلطان، ومنزلته قد عظمت عنده، وخلطته بالموفق قد ظهرت، فما قدرت إلا أن الموفق لما بلغه ما بيني وبينه من الإخاء والمودة دسه إلي ليحسن التسديد بيني وبينه حتى يصلح ما تشعث بيننا.
Unknown page