61

فلما وافى واجتمعنا لم يدع للموفق مثلبة إلا نبشها، ولا قبيحا إلا ذكره، ورأيت صورته قد انقلبت عما كنت أعهده عليه، فتلطفت بأن استحضرت غلامين له رأيتهما مشتملين على أمره، فوعدتهما ورغبتهما، فأحضراني سفطا فيه ثمانون كتابا من الموفق إلى وجوه قوادي وخواص غلماني، يعدهم فيها بأن من فتك بي منهم قلده البلدان الخطيرة، وأسنى له العطية الجزيلة، أفألام على ما فعلته في أمره؟ فقالوا: لا والله، أيد الله الأمير، والحمد لله على ما وفق الأمير له في أمره، والعذر للأمير، أيده الله، والذنب لمن جنى على الأمير، ولم يحفظ المودة ويرع الإخاء، وقد جازاه الله بما يستوجبه.

ولما مات يارجوخ في سنة ثمان وخمسين خلف ستة بنين وبنتا، كان يارجوخ قد زوجها من موسى بن بغا، وبنو يارجوخ؛ عيسى وهو الأكبر، وجعفر طريده، والفتح طريده، وثلاثة صغار؛ صالح ورجاء ونصر لم يبلغوا الحلم، وكان عيسى بن يارجوخ كثير الهبة شرس الأخلاق كبير الهمة، فلما مات أبوه لم يلزم الركوب إلى دار السلطان، ولا واظب على الخدمة، وقدر أن الأمر يجيئه على ما يحبه وهو جالس في داره، فلما ترك الخدمة ولزم منزله اقتصر على رزقه ولم يقلد عملا، ولا ارتفق بزيادة ولا جراية، فأغاظه ذلك، فحمل إخوته وأخته، وخرج بهم على طريق مكة. ووافى إلى أحمد بن طولون من الحضرة فقبله بأحسن قبول، ووفر عليه الرزق، وأجرى على إخوته كلهم وأخته الأرزاق السنية، وأقام لهم الوظائف، وزوج جعفر بن يارجوخ من ابنته الكبرى فاطمة؛ لأن عيسى كانت له امرأة. ولم يزالوا عنده في أجل حال حتى دعت عيسى شراسة أخلاقه إلى السكر، وبلغه عنه مقالات قبيحة، ذكر أنه صنيعة أبيه، فوجه إليه يعذله على ما يبلغه عنه.

فلما علم عيسى أنه قد علم بمقالاته فيه سأله أن يطلقه إلى طرسوس خوفا منه وحياء من خطئه عليه، ففعل ووصله بمال جزيل، وكتب له جوازا، وحفظ فيه فعل أبيه، ولم يؤاخذه، ومنعه أن يأخذ معه إخوته، وأقرهم عنده على حالهم، حتى دعت جعفرا أيضا حماقته التي كانت فيه، ولأنه كان بينه وبين العباس منادمة لمصاهرة بينهما إلى أن خرج معه إلى برقة، فلما كان من أمره ما كان عاقب الناس جميعا، وقتل من قتل، وأعفى جعفرا من ذلك، غير أنه أمره بالخروج عن البلد.

وحدث محمد بن عبد الله الخراساني الدهان قال: نزل عندنا بحارة الخراسانيين شاب حسن الوجه، فصيح اللسان، حافظ للقرآن وسنة النبي

صلى الله عليه وسلم

من أهل بلخ، فجل في قلوبنا، وحل منا محلا لطيفا، فأمنا في مسجدنا في حارتنا، وتوزعنا ما يكفيه من أموالنا، فكنا نجلس عنده في المسجد كل عشية، ونأنس بحديثه، وحسن فصاحته، وكثرة فوائده، فإنا لجلوس معه يوما في عشية من العشايا، حتى طلع علينا كهل من الخراسانية عليه لباد، وفي يده خنجر مشهور، فلما رآه إمامنا قام مبادرا هاربا، فعدا صاحب اللباد خلفه فلحقه، فلم يزل يتوجؤه

173

بخنجره حتى قتله، فقبضنا عليه وسقناه إلى الشرطة وهو مقتاد معنا غير متعاص ولا منكر.

فأوقفنا صاحب الشرطة على أمره، فرفعنا بأجمعنا إلى أحمد بن طولون، فلما حضرنا بين يديه ووقف على صورة القضية، قال له: ما الذي حملك على ما أتيت؟ فقال: أعز الله الأمير، كان هذا الرجل جاري ببخارى، وكان حسن المجاورة، ظاهر الستر، لا نعلم ما في باطنه، فألفته وملت إلى عشرته، فدخلت يوما من الأيام إلى منزلي على غفلة من أهلي، فوجدته مفترشا زوجتي، ففزعت إلى السيف، وإلى أن آخذه فهرب مني، فعدت إلى الامرأة فقتلتها، واشتهر أمري في الجوار، فأحضرني أهل الامرأة إلى السلطان فعرفته قصتي فأطلقني، وأمرني بطلب هذا الفاجر، وأباحني قتله، فطلبته فلم أجده، وأخبرت بخروجه عن بخارى، فتركت شغلي ومعاشي وما أنا بسبيله ببلدي من تجارة وأهل، وخرجت خلفه.

وكنت لا أدخل بلدا إلا قيل لي إذا سألت عنه إنه قد دخل إلينا ورحل، إلى أن بلغت مصر، ولي ها هنا مدة أسأل عنه في كل يوم، وأدور عليه، وأصف صفته، إلى أن عرفت بالصفة، فعرفت أنه يصلي بقوم في المسجد الذي وافيته فيه، فأخذت بطائلتي

Unknown page