Sīrat Aḥmad Ibn Ṭūlūn
سيرة أحمد ابن طولون
174
وشفيت ما في نفسي، فاصنع بي أيها الأمير الآن ما شئت، فقد سهل علي القتل بعدما وصلت إليه.
فسألنا أحمد بن طولون عن المقتول لما رآه ما الذي عمل؟ فقلنا: لما نظر إليه قام يعدو هاربا منه. فقال له أحمد بن طولون: كثر الله في الناس مثلك، انصرف مكلوءا. فأقام عندنا تلك العشية وودعنا من غد وخرج إلى بلده.
ومن ذلك أن صاحب الخبر رفع إلى أحمد بن طولون أن رجلا دعا صديقا له إلى منزله فقتله، فأمر به فأحضر إليه مع أولياء الميت، فسأل أولياء الميت عنه، فقالوا: دعاه هذا الرجل إليه للصداقة بينهما، وجاءونا به مقتولا من منزله، فلا نعلم كيف كانت حاله. فسأله عن القصة، فقال: والله، أيد الله الأمير، ما عندي علم من أمره، وإنه عندي لمثل ناظري ، وعزيز علي بما فجعت به منه، وإني عليه لثكلان موجع. ولقد كان أخص خلق الله عندي، وأحبهم إلى قلبي، وبحسب الأمير، أيده الله، أني أصلحت نبيذا منذ سنتين، وأعوزتني الظروف فقيرت
175
ظروفا كبارا، وجعلتها فيها، وتركت الجرار في الشمس، ولي في السطح برج حمام فتهدم منه موضع، ولم يحضرني في الوقت طوب، وخشيت على الفراخ من دخول شيء إليها، فأخذت جرة من تلك الجرار الكبار فسددت بها ما انهدم من البرج وطينتها، وعملت على أن أطلب طوبا فأجعله مكانها وأخذتها، ومضت الأيام ونسيتها بالشغل والعوارض فما ذكرتها، وانقضى النبيذ وفرغ، واعتللت علة قطعتني عن إصلاح غيره، فلما وهب الله، جل اسمه، العافية في هذا الوقت صعدت أفتقد الحمام، فرأيت بعض الطين قد انكشف عن الجرة النبيذ، فذكرتها فأخرجتها وجعلت عوضها طوبا، وسررت بها كل السرور لأجتمع أنا وأخي هذا على شربها، فخرجت واشتريت لحما وما أحتاج إليه، وصفيتها في [إنا]ئي، فرأيت منظرا ما رأيت أحسن منه، وعبيت
176
مجلسي كما يجب، ومضيت إلى أخي فحدثته حديث الجرة، ففرح بها أيضا، وسألته الحضور وأن يحضر معه ثلاثة من إخواننا، وعدت إلى منزلي، وتشاغلت بالطبخ وما أحتاج إليه.
فكان صديقي هذا وأخي أول من وافاني من إخواني وأنا مشغول ما فرغت، فنظر إلى النبيذ فاستحسنه جدا وأعجب به، وحلف أنه ما رأى قط مثله، وشرب منه قدحا واحدا، ووضع رأسه فنام، فلما فرغت من شغلي وحضر إخواني أصلحت المائدة، وتقدمت إليه لأنبهه فوجدته ميتا، فورد علي، أيد الله الأمير، من الأمر ما خشيت معه أن أجن، وحرت وحار القوم، وبقينا لا ندري ما نعمل، ولم أجد بدا من حمله إلى منزله، فحملناه إليهم وعرفناهم خبره.
فقال أحمد بن طولون لأولياء الميت: تشكون في مودته كانت لميتكم؟ فقالوا: لا والله، أيد الله الأمير، لقد كان به عليه من الإشفاق والمحبة مثل ما نحن له عليه وأفضل، وما نتهمه في أمره بوجه ولا سبب.
Unknown page