Sīrat Aḥmad Ibn Ṭūlūn
سيرة أحمد ابن طولون
فلما حج ووصل إلى منزله كف لسانه بالعتاب، فلم يذكر أحمد بن طولون بكلمة تكره ولا بقبيح، فزاد بذلك عند الموفق، وتقدم به عنده، وكتب طيفور خليفة أحمد بن طولون إليه بذلك، وأنه يكثر الشكر بذلك ويطيل الثناء عليه، فشكر له أحمد بن طولون ذلك، وصار يكاتبه في مهماته وحوائجه، ولا يقطع مواصلته بصلاته.
قال مؤلف هذا الكتاب: حدث نسيم الخادم قال: كان أحمد بن طولون مولاي على غاية من الميل والمحبة لمعمر الجوهري، فلما مات معمر الجوهري حزن عليه أحمد بن طولون حزنا عظيما، حتى ظهر ذلك منه للناس كلهم، فلم يتعز به ولم يسل عنه؛ فلحزنه عليه كان يبكر كل يوم سحرا إلى قبره وأنا معه فيترحم عليه ويقرأ قليلا، ويعود إلى قصره مع الصبح، فكنا عند موافاتنا قبره نجد في كل يوم امرأة قد سبقتنا إلى قبر مقابل قبر معمر، تبكي وتنتحب بحرقة موجعة مؤلمة لقلب من يسمعها، فكانت تزيد في حزن أحمد بن طولون وتبكيه.
فلما كثر ذلك عليه منها قال لها يوما: يا امرأة، أتبيتين ها هنا؟ فقالت: لا أيها الأمير. فعلم أنها قد عرفته، فقالت: وكيف لي لو تهيأ لي المبيت حتى أبيت ولا أفارق هذا القبر وأدفن فيه مع صاحبه؟ ولكني أسهر ليلي لما أجد في قلبي، فإذا قرب الفجر خرجت وقد شغل الحزن قلبي عن الخوف من وحشة الطريق. فقال لها أحمد بن طولون: وما هذه الحال العظيمة التي استحق بها هذا الفعل منك؟ فقالت: أيها الأمير، إنها حال عظيمة عندي، لا يجوز لي أن أذكرها. فقال لها: لا بد أن تخبريني ذلك، أبنك هو؟ قالت: لا. قال: فأخوك؟ قالت: لا. قال: فزوجك؟ قالت: نعم. قال: أقسمت عليك لتخبرني بما استوجب به منك هذا الفعل. فقالت: أيها الأمير، إني أحتشم من ذكره وأرفع الأمير عن كشفه. قال لها: إلزامي لك ذكره قد أزال حشمتك وأقام عذرك.
فقالت: أزوجني أبي لهذا الرجل وأنا صبية ما بلغت مبالغ النساء، فلما عقد النكاح سافر سفرا طال مدة أيسنا منه معها، فخلا بي من النساء من لا خير فيه، وأنا مع أبي وأمي، وأفسدوني واستولوا على عقلي، وحملوني على أن ساعدتهم فيما كتب علي، مما لم يكن لي منه محيص، وصبوت كما تصبو النساء وحملت، فلما تبين والداي جميعا ذلك ورد عليهما ما يرد مثله من المصائب، فبينما هما يركضان في الحيرة في أمري إذ قدم هذا الرجل من سفره، فطالب بإدخالي عليه، فدافعه أبي وأمي بما يحتاج إلى إصلاحه لي، رجاء أن يزول ما في جوفي، فلم يدعا شيئا يعمل في طرحه حتى عملاه، فما نفع ذلك لما قضى الله، جل اسمه، بكونه.
وقربت ولادتي فوافانا هذا الرجل وقد طالت المدافعة له، فحلف بالطلاق أنه يأخذني بعد ثلاثة أيام، فلم يجد أبي وأمي بدا من إدخالي عليه فدفعت إليه، وأنا على حال قد علمها الله، جل اسمه، غما وقلقا، وأبي وأمي في أعظم مما أنا فيه، فلما أدخلت عليه، وأخليت معه، انصرفت أمي وسائر أهلي، خوفا من مشاهدة الفضيحة، فلما حصلت معه في الكلة
187
ضربني الطلق، وزاد الأمر علي، فوثبت من الكلة، أريد الخروج من البيت إلى أمي وليس عندي أنها هربت، فما بلغت عتبة باب البيت حتى طرحت الولد من بين رجلي إلى الأرض، وسقطت ولا عقل لي، فوثب هذا الرجل يتأمل، فرأى طفلا مطروحا يبكي، فصاح بأخته، فسمعته وأنا في كربي وغمي، يقول لها: يا أختي، اقضي كل حق لي عليك، بما تأتيه في أمر هذه الامرأة. وانصرف عن البيت، وتركني مع أخته، فقامت بي أحسن قيام، وتولت أمري ما لا يتولى مثله أمي؛ برفق وإشفاق، وانبساط وجه، وحسن خلق، ومزح ومداعبة، حتى كأن الولد منهم، وكل ذلك يزيدني خجلا واحتشاما، إلا أنه قد سكن قلبي بعض السكون.
وبلغ أبي وأمي خبري فلم يقربني أحد منهما حياء واحتشاما، وبت ليلتي، فلما كان من الغد دخل إلي بوجه منبسط طلق ضاحك، فجلس عند رأسي، وساءلني عن خبري، وقال لي: ألك حاجة؟ قلت ودموعي تجري: يبقيك الله. فبكى لبكائي، ومضى بنفسه إلى أبي وأمي، فحلف عليهما حتى جاءني بهما، وقال لهما: لا مهرب من قضاء الله، عز وجل، إني ليس في يدي ولا في أيديكما ولا في يدي أحد من عبيده، جل ذكره، منه غير الصبر والحمد له، تبارك وتعالى، على البأساء والضراء، والحمد لله الذي كان هذا من فيض [؟] الله جل اسمه، له الصبر عليه والستر عليكم، واحمدوا الله جل اسمه، فدعيا له وشكراه واستعبدهما بذلك.
فكان كل يوم يدخل إلي بكرة وبالعشي، يسألني عن حالي، ويسألني عن شيء أشتهيه ويستحلفني على ذلك، فأبوس يديه وأدعو له حتى إذا مضى لي أربعون يوما، وهي أيام النفاس، ودخلت الحمام وصلحت له، دخل إلي مستبشرا طيب النفس، فمازحني وجلس عندي، واستحضر أبي وأمي وأنفق نفقة كبيرة واسعة حسنة، حتى كانت مقام عرس ثان، فلما انقضى يومنا وبات عندي، وجرى بيني وبينه ما يجري بين الرجل وزوجته وأنا على غاية الاحتشام والحياء منه، وأصبح، وهب لي دنانير كثيرة، وقطع لي ثيابا حسانا، فما مضى إلا شهر حتى حملت فولدت غلاما فسر به غاية السرور، فكأني انبسطت قليلا إليه، ودعا أيضا أبي وأمي وحلف عليهما أن يلزماني ولا ينقطعا عني، وصاغ لي حليا حسنا، وما ترك شيئا من إكرامي وسروري حتى بلغه لي، وعاشرتني أخته ولأمي
188
Unknown page