70

أحسن عشرة، وفعلت معنا أجمل فعل، فكنا له ولها كالعبيد.

وما زلت معه على حال ما فوقها مزيد من الإحسان والمحبة، حتى مضت لي عشر سنين، وكبر ابني وحذق القرآن، وعلمه جميع الآداب، وأنجب، فعظم بذلك سروره وسروري، ثم اعتل علته هذه التي مات فيها، فلما أيس من نفسه كتب وصيته، وأحضر الشهود ليشهدوا عليه فيها فسمعتهم يقرءون في الوصية: والذي خلفه من الولد ولدان ذكران، وهما فلان وفلان، وزوجة، وهي فلانة ابنة فلان، يريدني، فلما سمعت ذلك لحق قلبي ما يلحق قلوب النساء من الغيرة، ثم فكرت في خيانتي وقبح فعلي وجميل فعله، فأمسكت، إلا أني لما خرج العدول من عنده، خرجت إليه من وراء مقطع كنت جالسة خلفه، فقبلت رأسه ويده، وقلت له: يا سيدي، لك علي من الإحسان والإنعام وجميل الفعل ما قد استعبدتني به ، حتى لو وقفت على أن لك ثلاث نسوة وعدة جوار لحملتهن لك على رأسي، فكان ذلك أقل واجبك علي، فكيف يكون لك ولد غير ولدي من امرأة غيري أو جارية فلا تعرفني حتى أتولى خدمتها بنفسي، وكان ذلك بعض ما تستحقه مني؟ فقال: كأنك أنكرت ما سمعتيه في وصيتي من ذكري ولدين ذكرين! فقلت: نعم. فحول وجهه عني إلى الحائط فقال لي: ويحك هذا وذاك، وتشهد ومات.

فأحضرتني أخته ذلك الطفل الذي كنت رميته، والله ما قدرته يعيش، ولا سألت عنه ولا فكرت فيه، فقالت له: يا بني، هذه أمك فبس

189

رأسها، فانكب على رأسي وبكيت وبكى وبكت أخته، وإذا بها قد اشترت له داية وأفردته في موضع معها، وكبر فعلمته مع ابنه القرآن وجميع ما علمه ابنه من الآداب وأنجب أيضا، على أنه بعض ولد الجيران وأحضرت أخاه فقالت له: يا ابن أخي، هذا أخوك فتعانقا، ووقف كل واحد منهما على صورة الأمر، واتفقت الحال بينهما، فتسخمت

190

أنا وأخته عليه، وجززنا شعورنا، ولزمنا الحزن عليه، فماتت أخته حزنا وبقيت أنا وابني وأخوه معي، وخلف له شيئا يسد حاجتنا،

191

فأنا ألزم قبره ولا أنسى جميل فعله، ولا يزول من قلبي حزنه. فقال لها أحمد بن طولون: رحمه الله ورضي عنه، فما في الدنيا أكرم من هذا الرجل ولا أجمل فعلا، وأحسن الله جزاءك إذ عرفت له مقدار فعله بك، وكثر الله في النساء مثلك، فإن يكن لك حاجة أو نابتك نائبة، فعرفيني فقد لزمني حقك، ووجب علي حفظك. فدعت له، وانصرف أحمد بن طولون وقد أبكته وأحزنته.

قال: وحمل أبو الفتح محمد بن الفتح أخته خديجة إلى أحمد بن طولون في آخر سنة خمس وستين ومائتين وكان المعتمد قد عقد بينهما نكاحا، وكانت أخته يومئذ تحت المعتمد بالله، فقلد أحمد بن طولون محمد بن الفتح ديار مضر. وكان الحسن بن مخلد قد نفاه السلطان إلى الرقة؛ لأنه أساء إلى الأولياء والكتاب، فكتب إلى أحمد بن طولون يذكر له رغبته في المقام عنده وفي كنفه، فأنفذ محمد بن الفتح كتابه إليه بذلك، فأجابه أحمد بن طولون: أنا وليك ومقام صنيعتك؛ لأنه كان الوزير، وصوب رأيه فيما انتواه فرحل إليه، فلما قارب أعمال مصر منعه صاحب البذرقة

Unknown page