86

222

فأصاب بشاطئ النيل صيادا عليه خلق لا يواريه منه شيء، ومعه صبي له في مثل حاله، وقد ألقى شبكته في البحر، فرآه مولاي فرق له، وقال لي: يا نسيم، ادفع إلى هذا الصياد ثلاثين

223

دينارا، فتأخرت حتى دفعتها إليه، ولحقت به فلم يبعد حتى رجع، فوجدنا الصياد ميتا ملقى والصبي يبكي ويصيح، فظن مولاي أن بعض سودانه قتله وأخذ الدنانير منه، فوقف بنفسه عليه، وسأل هذا الصبي عن أبيه فقال له: هذا الغلام، وأشار إلي، دفع إلى أبي شيئا، فلم يزل يبوسه حتى وقع ميتا.

فقال لي مولاي: فتشه. فنزلت وفتشته، فوجدت الدنانير معه بحالها، فحرضنا الصبي أن يأخذها فأبى، وقال: هذه قتلت أبي وإن أخذتها قتلتني. فأحضر مولاي قاضي المقس وشيوخه، وأمرهم بأن يشتروا للصبي دارا بخمسمائة دينار يكون لها غلة

224

فاشتريت وحبست عليه، وكتب اسمه في جملة من كان يجري عليه جرايته في كل شهر، وقال لي: يا نسيم نحن قتلناه، الغنى يحتاج إلى تدبير، وإلا قتل صاحبه، كان يحب أن يدفع إليه دينار بعد دينار حتى تحصل له هذه الدنانير ولا تدفع إليه جملة.

وحدث طاهر الكبير قال: كان لمولاي برج حمام هيتي

225

فصعد إليه يوما وجلس على كرسي بين يدي البرج يستعرضها، فأخرجت إليه ما كان عندي من الفراخ، فنظر إليها وسرحها تدرج بين يديه، وكان عددها ثمانية، ثم أمرني بردها فرددت سبعة وإذا بالثامن قد درج فصار خلفه، فقال لي: قد بقي واحد. فقلت: هو خلف مولاي. فقال لي: خذه. فمددت يدي إليه لآخذه فارتعدت هيبة له أن أمد يدي خلفه، فتبين ذلك مني، فقال لي: تنح. فتنحيت فوضع خده على التراب، في الموضع الذي كانت قدمي عليه، وبكى وأقبل يمرغ خديه ولحيته في التراب ويتضرع إلى الله، جل اسمه، ويسأله العفو عنه وإلهامه الشكر على نعمه عنده.

Unknown page