87

وحدث نسيم الخادم قال: ركب مولاي يوما إلى الأهرام، فأتاه الحجاب بقوم عليهم ثياب صوف وفي أيديهم مساح ومعاول، فسألهم عما يعملون، فقالوا: نحن نقوم نطلب المطالب،

226

فقال لهم: لا تخرجوا بعد هذا الوقت إلا بمنشور

227

ورجل من قبلي يكون معكم. فقالوا له: سمعا وطاعة للأمير، أيده الله. فسألهم عما رفع إليهم من الصفات، فذكروا له أن في سمت الأهرام

228

مطلبا قد عجزوا عنه؛ لأنهم يحتاجون في إثارته إلى جمع كبير ونفقات واسعة؛ فإن فيه مالا عظيما. فنظر مولاي إلى شيخ من أصحابه يعرف بالرافقي من أهل الثغر فضمه إليهم، وتقدم إلى عامل معونة الجيزة في دفع جميع ما يحتاجون إليه من الرجال والنفقات. وانصرف مولاي فأقام القوم مدة يعملون حتى ظهرت لهم العلامات، فوافانا الرافقي وأعلم مولاي بذلك، وأن أمره قد قرب، فركب وسرنا معه حتى وقف على الموضع، فلما رآه الناس جدوا في الحفر، فكشفوا عن حوض كبير عظيم مملوء دنانير، وعليه غطاء مكتوب عليه بالبزنطية،

229

فأحضروا من قرأه فكان: أنا فلان بن فلان الملك الذي ميز الذهب من شئونه وغشه وأدناسه، فمن أراد أن يعلم فضل ملكي على ملكه فلينظر إلى فضل عيار ديناري على عيار ديناره، فإن مخلص الذهب من الغش مخلص في محياه وبعد مماته. فقال مولاي: الحمد لله، يا نسيم ما نبهتني عليه هذه الكتابة أحب إلي من المال. ثم أمر لكل رجل كان يعمل فيه بمائة دينار ووفى الصناع أجرتهم، ووهب لكل رجل منهم خمسة دنانير، ودفع إلى الرافقي منه ثلاثمائة دينار، وقال لي: يا نسيم، خذ لنفسك منه ما شئت، فقلت: ما يأمرني به مولاي. فقال لي: خذ منه ملء كفيك جميعا، وخذ من غيره من بيت المال مثل ذلك مرتين، فإني أشح على هذا. فبسطت كفي فملأهما، فحصل لي منه ألف دينار، وكان عيار الدينار منه أجود من عيار السندي بن شاهك ومن عيار المعتصم، ولم يكن يرى أجود منهما، فتشدد مولاي من ذلك اليوم في العيار، حتى لحق ديناره بالعيار المعروف به، وهو الأحمدي الذي لا يطلى بأجود منه.

230

Unknown page