88

قال: وأما صدقاته فكانت مشهورة متواترة على أهل الضعف والمسكنة والمستورين والمتجملين، وكان راتبها في كل شهر ألفي دينار، سوى ما يطرأ عليه من نذر ينذره أو شكر على تجديد نعمة لله، عز وجل، عنده، أو على خبر يسره، فيقابل ذلك بالصدقات الكبيرة، فيزيد ذلك على راتبه زيادة عظيمة، سوى مطابخه التي يقام بها في كل يوم للصدقات، في داره وغير داره، يذبح فيها البقر الكثير والكباش العداد، ويطعم الناس ويفرق على كل من يأخذ في القدور الفخار مع الخبز على المساكين أربعة أرغفة مع كل قدر، في رغيفين منها فالوذج، وكان من شهوته لذلك، وصحة نيته فيه، ورغبته في الثواب عليه، يعمل الطعام في داره، وينادى من أحب أن يحضر طعام الأمير فليحضر، وتفتح الأبواب ويدخل الناس إلى الميدان، ويجلس هو في المجلس الذي ذكرنا مقدما أنه كان يجلس فيه، يشرف على من يدخل داره ويخرج منها، وينظر إلى المساكين، ويتأمل فرحهم مما يأكلون، فيفرح بذلك ويحمد الله عليه.

فنظر يوما إلى شيخ مستور وقد زل

231

في خرقة معه زلة، وزاد فيها حتى لم يكن في الخرقة موضع، فلما قام لشدة الزحمة وقعت من يده لضعفه، فغمز بعض الحجاب بعض الغلمان أن يأخذها، تماجنا لا قصدا، وترد عليه. وتأمل أحمد بن طولون ذلك فأغاظه، فأمر برد الشيخ وإحضار الحاجب، وقال له: ويحك، ما الذي حملك على ما صنعت بهذا الشيخ الضعيف؟ فقال: والله أيها الأمير ما أردت إلا مداعبته. فقال له: والله العظيم لا حملها له إلى منزله غيرك. وأمر فأصلح للشيخ مائدة عظيمة، فيها من كل شيء حار وبارد وحلو، وأحضره، فقال له: يا شيخ كم سنك؟ قال: ثمانون سنة. قال له: لك عيال؟ قال: نعم، خمس بنات عواتق وثلاثة غلمان وأمهم ومن يخدمنا، ومن يقرب منا نواسيه بما أمكننا. فقال: ففي أي شيء تتجر؟ قال: في المثلث،

232

قال: وكم بضاعتك منه؟ قال: عشرة دنانير. قال له: فلم لا تزوج بناتك؟ فقال: لا يرغب فيهن إلا لشيء وما لنا شيء. فأمر له بمائة دينار بضاعة له، وأحضر معمر الجوهري فتقدم إليه بأن يجهز بناته بما يصلح لهن من الجهاز والتجمل ويزوجهن، ودفع إلى الذكور من ولده لكل واحد خمسين دينارا، وأثبت أسماء الجميع في دفتر الجرايات، فذكر معمر الجوهري أنه جهزهم بألف دينار، فعرفه ذلك وسره، وأطلق المال له، وحمل الحاجب مع الشيخ تلك الزلة بين يديه على سرجه، حتى بلغ إلى منزله، ووهب له عشرة دنانير تكرما ورغبة في الثواب.

وحدث إبراهيم بن قراطغان، وكان على صدقات أحمد بن طولون، قال: قلت للأمير: أيد الله الأمير، إنا نقف في المواضع التي جرت العادة بصدقة الأمير على من فيها من المستورين والمستورات فتخرج إلينا الكف الناعمة المخضوبة نقشا أو تظاريف والمعصم الرائع وفي الإصبع الخاتم الذهب والسوار والفنك

233

والثوب الرطبة [؟] فقال لي: يا هذا كل من مد يده إليك فأعطه؛ فهذي هي الطبقة المستورة التي ذكرها الله، عز وجل، في كتابه، فقال:

يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا

Unknown page