89

فاحذر أن ترد يدا امتدت إليك، وأعط كل من طلب منك.

قال: ومن حسن أفعاله أنه بلغه عن علي بن طباطبا أنه قد حبس في مال بقي عليه من ضياعه وعجز عن أدائه، فقال: وكم مقداره؟ فقيل له: عشرون ألف دينار. فأمر صاحب الخراج بإسقاطها عنه، وكتب له بالعشرين ألف دينار براءة، ووجه إليه، فأحضره إليه وعرفه بإسقاط ما عليه وصرفه إلى منزله، فأكثر الدعاء والشكر. ولم يزل وسائر أهله وجيرته يدعون له طول حياتهم.

قال: وأما إشفاقه على أهل مصر فكان يزيد على كل إشفاق، حتى إنه كان يجوز إشفاق الوالد على ولده، يحوطهم ويراعي أحوالهم ومصالحهم، ويدفع كل مكروه عنهم.

حدث سوار الخادم، قال: قلت لمولاي ليلة وقد بات في قبة الهواء خاليا مفكرا، وكانت ليلة قمراء، وهذه القبة بنيت للمأمون وقت موافاته البلد، ويقال: إن العلاء الطائي بناها على قرية من جبل المقطم، وكانت تشرف على داره وعلى جميع البلد: أيها الأمير، قد مضى أكثر الليل ومولاي منتصب، فلو أعطى نفسه حظها من الراحة كان ذلك أعود عليه. فقال: يا بني! إنا كلفنا من القيام بأمر هذه البلدة ما كلفناه، فإن نحن أعطينا أنفسنا حظها من النوم والراحة، وأهملنا الفكر في تدبير أحوالها، والشغل بما يعود به صلاح أمورها، وصيانة أهلها، ليأمنوا في سربهم، ويسكنوا في تقلبهم ضاعوا، فأرى أن أتعب ويناموا أصلح من أن أستريح ويخافوا فيسهروا. فأمسكت عنه.

قال: ولقد أصلح منجنيقات، لما كان في نفسه من المسير إلى حصن أنطاكية، فأراد امتحانها فنصبت في الموضع المعروف إلى اليوم بالمنجنيقات، على شاطئ البركة، وفوق الجبل الذي يعرف بجبل يشكر وهو المعروف بالكبش، ولم يكن بين يديه إلى النيل شيء، وإنما كان جرفا

234

يشرف به على الكبش، فركب مولاي ليجرب بين يديه، فنصب في أحدهما حبال ووضع فيه حجر، ووقف الرجال على الحبال وجذبوها، فمر الحجر إلى البستان المعروف ببستان عرق الذي على خليج أمير المؤمنين، وإنما سمي هذا الخليج بأمير المؤمنين؛ لأن عمر بن الخطاب، رحمه الله، أمر عمرو بن العاص بحفر خليج يتصل من النيل إلى القلزم، وتحمل فيه الميرة إلى الحرمين، فحفروه، وكان متصلا بالقلزم فسمي بذلك؛ لأن عمر، رحمه الله، أول من سمي بأمير المؤمنين

235

ثم حذف منجنيقا آخر أيضا، وزادوا في رجاله وحباله، وجعل فيه حجرا، وزادوا في جذبه، فلما استوفوا جره انقطعت الكفة وطارت في الهواء.

فلقد رأيت مولاي ولم يتكل على حاجب ولا غلام يتقدم، وإنه يصيح بنفسه إلى الناس الذين ينظرون، ويشير مع صياحه إليهم بكمه إلى الموضع الذي يقدر أن الكفة وقعت فيه بنجوة

Unknown page