Sīrat Aḥmad Ibn Ṭūlūn
سيرة أحمد ابن طولون
236
بصياح شديد؛ كل هذا إشفاقا منه على أهل البلد ورأفة بهم.
وحدث نسيم قال: خرج مولاي ليلة إلى قبة الهواء، فسمع في أطراف المعافر كلبا ينبح فرابه ذلك، فقال للغلمان وهم قيام بين يديه: اركبوا الساعة وامضوا ركضا نحو هذا الكلب فانظروا على أي شيء يصيح، فإن وجدتم أحدا فجيئوني به. فمضى الغلمان نحو صوت الكلب حتى أدركوه، فوجدوا رجلا قد كان عند صديق له من جيرانه، وقد انصرف من عنده يريد منزله، فوجد بابه مغلقا، وهو قائم عليه يدق، وقد منع أهله غلبة النوم عن أن يسمعوا دقه، وكلما دق الرجل نبح الكلب عليه، فأخذوه وأردفه أحدهم خلفه، وأقبلوا به ركضا، فلما رأى الرجل ما حل به طار النبيذ من رأسه، وأقبل يستعين بالله، فلما أوقفوه بين يديه كاد عقله يذهب، حتى ثبته الله، عز وجل، فعرفه الغلمان صورة الأمر، فقال له أحمد بن طولون: ما الذي حملك على الخروج في مثل هذا الوقت؟ فقال له: أنا أحدث عنه الأمير، أيده الله، كنت عند صديق لي من جيرتي، وتمادى بنا الحديث إلى هذا الوقت، وكنا نستعمل الحذر والتحفظ، قبل أيام الأمير، أيده الله، فلما ولينا واشتدت وطأته على أهل الدعارة والفساد، انقمعوا
237
من هيبته وخوفا من سطوته، فأمنا لذلك، وصرنا نخرج في مثل هذا الوقت وقبله وبعده آمنين ببركة الأمير، أيده الله. فاستحيا منه أحمد بن طولون لحسن عبارته وبيان قوله، وتوقف عما كان قد عزم عليه من التأديب له في الخروج في مثل هذا الوقت، فقال له: قد كنا على تأديبك على مخاطرتك بنفسك في مثل هذا الوقت، فأزال ذلك عنا جميل عذرك، وحسن عبارتك عن نفسك، وفصاحة لسان، وعلمنا أن ذلك لا يكون إلا في عاقل، وكفى بالعقل واعظا، وقد جعلت العوض من ذلك سرعة ردك إلى منزلك؛ فلست أشك بأن أهلك لما علموا بأخذنا لك قد قلقوا لذلك. ثم قال لبعض الغلمان: أردفه خلفك ورده إلى منزله. وقام هو فأخذ مضجعه وقد مضى أكثر الليل.
وحدث نسيم الخادم قال: بينا نحن وقوف ليلة بين يدي مولاي، وقد طال سهره وفكره، وكان إذا لحقه مثل هذا وطال وقوفنا بين يديه يقول: تفرقوا واقعدوا. لعلمه بما ينالنا من التعب، ونعانيه من غلبة السهر والنوم، فنغتنم هذا القول منه ونتفرق، فنستلقي في المواضع التي يبعد نظره عنها.
فبينا نحن ليلة وقد نمنا، إلا وبه قائم على رءوسنا ولم نشعر به، فقمنا مبادرين، فقال لنا: ما سمعتم هذا الصياح؟ وتأملنا فإذا صوت عال يقول: يا أحمد بن طولون يا أخا عاد. فقال للغلمان: اركبوا واطلبوا صاحب هذا الصوت حيث كان، حتى تجيئوني به الساعة. وكان كلامه يجيء من ناحية الجبل من بين المقابر هناك، فمضى الغلمان وأبطئوا ثم عادوا فقالوا: ما أبقينا موضعا، فما رأينا أحدا، ولا عرفنا خبرا. وإذا بالصوت ثانية: يا أحمد بن طولون يا أخا عاد. فحرد فقال: ويحكم! اخرجوا فاطلبوه حيث كان. فخرجوا كخرجتهم الأولى وأبطئوا وعادوا، فقالوا: والله ما أبقينا موضعا، ولا تركنا مكانا، حتى طلبناه فما وجدنا أحدا. فقال لهم: ارجعوا قليلا قليلا، وأخفوا سيركم، واكمنوا بين المقابر، فلا بد من الصياح المرة الثالثة، فلقربكم منه تقفون على موضعه فتأخذونه، فمضوا وعملوا كما أمرهم، فلم يشعروا به إلا وقد خرج فنادى: يا أحمد بن طولون يا أخا فرعون. فلقربهم منه عرفوا مكانه فقصدوه فوجدوه ، وقبضوا عليه، فإذا به مجنون كان في أيام أحمد بن طولون يكنى أبا نصر، وكان إذا هاج خلط، وإذا سكن تكلم بكلام بليغ، فأتوه به وعرفوه أنه أبو نصر المجنون، فسكن غيظه، وقال: يا أبا نصر، ما حملك على أن خاطبتنا بمثل هذا الخطاب، وهتفت بنا في مثل هذا الوقت؟ فقال له: لأنك تعظمت وتكبرت وتجبرت ونسيت خلقك من تراب، ثم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة، ثم جعلت المضغة عظاما ثم كسيت لحما، ثم سواك رجلا كاملا. فبكى أحمد بن طولون بكاء كثيرا، ثم قال له: ما أحسبك يا أبا نصر إلا متنطعا
238
علينا؟ ومع هذا فأتوهمك جائعا فتأكل شيئا؟ فقال له: ما تطعمني شيئا ولا أنتفع بك. فقال له: ما تغشانا يا أبا نصر ولا تأتينا. فضحك وقال: حتى أجيئك؟ لعن المعروف إن لم يكن ابتداء. ثم قال:
ما اعتاض باذل وجهه بسؤاله
Unknown page