Sīrat Aḥmad Ibn Ṭūlūn
سيرة أحمد ابن طولون
عوضا ولو نال الغنى بسؤال
فقال له: صدقت يا أبا نصر، هاتوا له شيئا يأكل، فأتي له بطبق فيه ألوان كثيرة وفضلة من جدي ودجاج وفراخ وفالوذج، فأقبل يأكل من كل شيء، وأمعن في الفالوذج فثقلت معدته فنام، ووضع يده تحت رأسه، وتمدد بين يدي أحمد بن طولون، فذهب به النوم وهو يتأمله، حتى علم أنه قد استثقل في نومه، فقام وقال: دعوه لا تنبهوه. ووكل به خادما يراعي أمره، وقال له: لا تكرهه على شيء يريده، فإن طلب ماء أو غيره فأعطه. فمضى أحمد بن طولون فنام، وانتبه قبل انتباه المجنون، وقت ركوبه، فسأل عنه فخبر بنومه، فركب على رسمه ووصى به، وقال: إن أراد الانصراف فلا يكلم ولا يخاطب، ويترك يذهب كيف شاء. فلما انتبه قام مبادرا نحو الباب فلم يكلم وخرج فمضى، فلما عاد أحمد بن طولون سأل عنه فخبر بذهابه فتصدق في ذلك اليوم بصدقات كثيرة. وكان يتعاهده في كل وقت بالطعام والكسوة والبر.
وحدث نسيم الخادم قال: قلد مولاي الشرطة السفلانية قائدا من قواده، وقال له: ارفق بالرعية ، وانشر العدل عليهم، واقض حوائجهم، وأظهر إكرامهم وصيانتهم، وتفقد مصالحهم، فإني أسير بالليل في محالهم فكل موضع أمر به لا يخلو من قارئ أو متهجد أو داع أو ذاكر لله، عز وجل، فوفر علينا دعاءهم لنا، واحرسنا من أن يكون دعاؤهم علينا.
ويقول لمن يقلده الشرطة الفوقانية: تشدد عليهم وأرهبهم منك، ولا تلن لهم واغلظ عليهم، فإني أسير في محالهم فما أمر بموضع فأسمع فيه إلا غناء أو سكران أو معربدا، قد أخرجته عربدته إلى الوثوب والكفر.
وكان لا يقلد شرطة أسفل إلا الثقات من وجوه قواده. وأما تشدده على قواده وغلمانه فمشهور.
حدث ابن قراطغان قال: وجه أحمد بن طولون بقائد من جملة قواده إلى بعض الأرياف في حمل مال، وإصلاح حال، فلما أقام القائد بالناحية التي نزلها وفرغ مما يحتاج إليه أقبل إليه بعض أقباط الضيعة فسعى إليه براهب في الضيعة لشيء كان يحقده عليه، فأراد التشفي منه، والقبط لا يحسنون أكثر من سعاية بعضهم ببعض، قال له: إن ها هنا راهبا قد وجد كنزا عظيما مملوءا مالا. فحمل القائد الشره والطمع على أن أحضر الراهب فأرهبه وهدده وأخافه، فأخذ منه خمسمائة دينار، وانصرف القائد من الضيعة، فبلغ ذلك من الراهب مبلغا كسفه وأتى عليه، فجعل يبكي ليله ونهاره، فرآه بعض من وافى الضيعة فسأل عن حاله فخبره فرحمه، وقال له: ولم تبكي ولنا أمير عادل منصف؟! ادخل إلى الفسطاط واكتب قصة
239
فإذا ركب أحمد بن طولون فادفعها إليه، فإنه يأمر لما يقرؤها برد مالك عليك، وجسره على ذلك وسهله عليه.
فشخص إلى الفسطاط وكتب قصته وأقبل بها إلى الميدان، فوقف على بعض أبوابه يلتمس ركوب أحمد بن طولون، فبصر به حاجب ذلك الباب، فدعا به وسأله عن خبره فشرح له قصته، وأنه ينتظر ركوب الأمير ليوصل إليه قصته، وكان الحاجب صديق القائد الذي يتظلم منه الراهب، فقال له: بينك وبينه شيء غير هذا؟ فقال: لا. قال: فأنا أدفع إليك الخمسمائة دينار، فامض في حفظ الله، والرجل صديق لي وأنا أسترجعها منه أو أتركها لها، وأصونه عن الوقيعة به. ففرح الراهب وقال: ما أطلب يا سيدي غير هذا. فأحضر الحاجب خمسمائة دينار ودفعها إليه، فأخذها ومضى وهو لا يصدق، وجاء فخرج من ساعته وعاد إلى ضيعته.
فوقف بعض أصحاب الأخبار على ما جرى، فكتب به إلى أحمد بن طولون، فأحضر الحاجب فسأله عن الخبر فلم يمكنه ستره، فأحضر القائد واعتقله، وأنفذ الحاجب خلف الراهب إلى ضيعته حتى أحضره، فلما حضر جمع بينه وبين القائد، وسأله عن الحال كيف جرت، فخبره بما كان، فقال له أحمد بن طولون: كان سبيلك، ويلك، أن تدعي عليه بثلاثة آلاف دينار حتى آخذها لك منه، وأجعل ذلك تأديبا له ولغيره. ثم قال للحاجب: والله لولا أنها مكرمة سارعت إليها، وجميل رغبت فيه، وقال الله عز من قائل:
Unknown page