92

هل جزاء الإحسان إلا الإحسان

لعمرت بك المطبق، ولكن احذر أن تعاود مثلها، ولا تستبدن بأمر تأتيه دون أن تعرفنا به، ولا تطو عنا خبرا ولا سرا ولا قصة ترفع. فقال له: أقلني أيها الأمير أقالك الله، فوالله لا أعود إلى مثلها أبدا. قال: فانصرف إلى موضعك.

ثم أقبل على القائد فقال له: أفي رزقك تقصير عن مؤنتك؟ قال: لا. قال: فأخر عنك استحقاقك تأخيرا يضطرك إلى ما أتيته؟ قال: لا. قال: فبأي حال استحللت أن تأخذ من هذا البائس الضعيف ما تقطع به قلبه وتبكي عينه، وتفقره وأهله؟ ألك حاجة أوجبت ذلك عليك أو ضرورة دعتك إليه؟ المطبق. فأخرج من بين يديه إلى المطبق على موضعه منه، ومحله في نفسه، فخرج وهو آيس من الحياة، وأمر الراهب بالانصراف.

وحدث أبو كامل شجاع بن أسلم الحاجب، قال: لما أطلقني أحمد بن طولون ألزمني دار الصناعة،

240

فدعاني يوما فقال لي: كل ما تعمل [لي من العدة] يكتفى فيه بالقليل، مع [تقدم] هيبتي في صدور الناس إلا المراكب؛ فإن البحر لا يهابني، ولا يخاف سورتي، وليس يعمل في البحر إلا الوثاقة، والجودة في الصنعة، وتقديم الإحسان، فقدم الحزم في الاحتياط، والاستزادة في الإنفاق على المراكب، لتسلم بعون الله، عز وجل، وتوفيقه من معرة البحر.

وحدث قال: دخلت أم عقبة الأعرابية يوما إلى أحمد بن طولون ومعها ابنها عقبة، وكان كثيرا ما يأنس بها، ويحب محادثتها لفصاحتها وحسن كلامها، وكان يكثر برها في كل وقت، فسألته التقدم في تصريف

241

ابنها فيما يعود عليه نفعه، فقال لابن مهاجر، وهو بين يديه: انظر له في شغل يعود عليه فيه خير يبين عليه. وكان البريد إليه، فقلده ابن مهاجر بريد ناحية من النواحي، وأجرى عليه من الرزق عشرة دنانير في كل شهر، فحدث ابن مهاجر قال: إني لقاعد بين يدي أحمد بن طولون بعد ثلاث، حتى دخلت أم عقبة على الأمير فقالت: أنا شاكرة للأمير، أيده الله، ذامة لهذا الرجل، تريدني، فقال لها: ولم ذاك؟ فقالت: أمرته في إشغال ولدي فيما يعود عليه نفعه فشغله فيما لا يرحض

242

Unknown page