94

دينارا، فقال لي: يا نسيم من تظن أنه أخذها؟ فقلت: ما يدخل هذا المجلس غيرنا أنا ومولاي، ولكني أراعي هذه الحال. فقال لي: افعل. وشغل ذلك قلبي، فبينا أنا أراعيه يوما إذ نظرت ذلك الغراب قد دخل البيت فنقر البدرة من خياطتها فأخرج منها دينارا واحدا، فمضى به، فمشيت خلفه حتى أتى به إلى شق بين بلاطتين فألقاه فيه، فدخلت إلى مولاي فخبرته بذلك فعجب منه، وقام فأتى الموضع، ودعا بالمبلطين فقلعوا تينك البلاطتين، فوجدنا الدنانير التي نقصت والدينار الآخر، لم يذهب من ذلك شيء، فضحك مولاي وقال لي: يا بني، لو كانت هذه الدنانير لمسكين أو متجمل ما وجدها، ولكن يا بني المقبل محروس. وتصدق في ذلك اليوم صدقة كبيرة.

وحدثت نعت أم ولد أحمد بن طولون قالت: كانت لمولاي زوجة من بنات الموالي تزوجها بمصر، وكانت من أحسن النساء وأجملهن وجها وخلقا، يقال لها: أسماء، قالت: فقلت له يوما: يا مولاي ليست خلوتها معك على قدر محلها منك، وما يقتضيه حسنها وجمالها ومحلها أيضا. فقال لي: ويحك هي صغيرة الكف قصدة الخلق، وأكره أن يكون هذا في ولدي منها؛ فلهذا أتوقف عنها كثيرا.

وحدث أحمد بن القاسم أخو عبد الله بن القاسم كاتب العباس بن أحمد بن طولون قال: حدثني أخي عبد الله قال: بعث إلي أحمد بن طولون بعد أن مضى من الليل نصفه، فوافيته وأنا منه خائف مذعور، فدخل الحاجب بين يدي وأنا في أثره، حتى أدخلني إلى بيت مظلم فقال لي: سلم على الأمير. فقلت: السلام على الأمير ورحمة الله وبركاته. فقال لي من داخل البيت وهو في الظلام: وعليك السلام، لأي شيء يصلح هذا البيت؟ فقلت: للفكر. فقال: ولم؟ فقلت: لأنه ليس فيه شيء يشغل الطرف بالنظر فيه. فقال لي: أحسنت بارك الله عليك، امض إلى العباس فقل له: يقول لك الأمير اغد علي، وامنعه من أن يأكل شيئا من الطعام، إلى أن يجيئني فيأكل معي، واحذر ذلك. فقلت: السمع والطاعة لأمر الأمير، أيده الله. وانصرفت ففعلت ما أمرني به ومنعته من أن يأكل شيئا.

وكان العباس قليل الصبر على الجوع، فرام أن يأكل شيئا يسيرا قبل ذهابه إلى أبيه، فمنعته فركب إليه، وكان يوم خميس، فجلس بين يديه، وأطال أحمد بن طولون عمدا حتى علم أن العباس قد اشتد جوعه، فأحضرت المائدة ولم يقدم عليها إلا سمانى

247

زيرباجا

248

فانهمك العباس في أكلها لشدة جوعه، وامتدت يده إلى صغار ما كان من البوارد

249

على المائدة فشبع من ذلك الطعام، وأبوه متوقف عن الانبساط في الأكل، فلما علم بأنه قد امتلأ من ذلك الطعام أمرهم بنقل الطعام، فأحضر كل لون طيب، لا يخلو من أن يكون دجاجا ثقيلا وفراخا مسمنة، ثم لبن بالبطة السمينة والجدي الرضيع والخروف النادر وما شاكل ذلك [مما] يؤكل من جميع الحيوان مشويا، فانبسط أبوه في جميع ذلك فأكل، وأقبل يضع بين يدي ابنه منه، فلا يرى فيه حيلة لأكله وشبعه.

Unknown page