Sīrat Aḥmad Ibn Ṭūlūn
سيرة أحمد ابن طولون
فقال له: إنني أردت تأديبك في يومك هذا بما امتحنتك به، لا تلق بهمتك على صغار الأمور بأن تسهل على نفسك تناول يسيرها، فيمنعك ذلك عن كبارها، ولا تشتغل بما يقل قدره فلا يكون فيك فضل لما يعظم قدره، وهذا يا بني نظير تشاغلك بالسمانى وهو من صغار الطير، ولم تتوقف عما تعلم أنه يحضر مائدة أبيك مما هو أجل من السمانى وأطيب وأمتع، فلما حضر لم يكن فيك لشيء منه فضل وقد تتبعته نفسك فما قدرت عليه.
وليس يتصل بي أنك أخذت من رجل على حاجة تقضيها له أقل من خمسمائة دينار، لا يجد صاحبها مسا معها ، ولا إجحافا فيها، إلا غضبت عليك، ونلت كاتبك بغليظ العقوبة، ولا تستدع البر على الحوائج، ولكن أقمه مقام الهدية التي تفيدها إذا جاءت عفوا، واحذر أن تقتضيها إن تأخرت عنك، وكافئ على الهدية بأحسن منها، فإن أعظم الفقر فقرك إلى رعيتك، وقد جعلت بما عملته معك اليوم تأديبا ومعاتبة وتنبيها لك على ما فيه رشدك، وفقك الله وسددك، ولا ساءني فيك. فقبل يده، وقبل منه، وامتثل أمره.
وحدث هارون بن ملول قال: وقف بعض من ينتحل التصوف من المصريين لأحمد بن طولون، وقد انصرف يوما من صلاة الجمعة، فقال له: أيها الأمير على رسلك. فوقف، فقال له: اتق الله الذي إليه معادك وراقبه؛ فقد أرعبت الناس وأخفتهم خوفا قد منعهم من صدقك عن كل ما يجري مما يكرهه الله، عز وجل، ولا يرضاه، وأنا لسان جماعتهم إليك. فأمر بالقبض عليه، فلما نزل أحضر إليه شيوخ البلد ووجوهه، وكان الناس إذ ذاك متوافرين.
فلما اجتمعوا وافى صاحب خبر السر الذي يكتب كل ما يجري، فدفع إليه رقعة فيما خاطبه به الصوفي، فأمر كاتبه أحمد بن أيمن بقراءتها على الشيوخ فقرأها عليهم، وسألهم عما أنكروه من أمره حتى بعثهم إلى إيفاد الصوفي إليه، فحلفوا له بالله، عز وجل، وبالطلاق والصدقة أنهم ما بعثوا إليه أحدا، ولا أنكروا له فعلا، فأحضر الصوفي وقال له: زعمت أن أهل البلد نصبوك للقول فيما أنكروه، فقال: نصبني لهذا المظلوم والمقهور ممن لحقه جور أصحابك. فقال له: لست أعجل عليك، أخبرني: ما الذي اتضح عندك حتى دعاك إلي؟ فقال: بعض أصحابك منذ ثلاثة أيام أنا أتلطف وأبحث عما قد رابني منه، حتى وقفت على أن امرأة طبالة لا سبيل له عليها تدخل إليه وتبيت عنده كل ليلة، واشترى رجل من أصحابك أيضا غلاما أمرد فنصب له طرة وقرطقه
250
بأشياء لا يسمح بها إلا قلب فاسق.
فقال له أحمد بن طولون: أنت الآن في العاجل قد دللتنا على عورتك، وأعلمتنا أن التجسس المنهي عنه، والظن السيئ المكروه استعماله ، وقد نهي عنه أيضا، من شيمتك، ولله، عز وجل، ستر على عباده لا ينتهك بما التمسته، فأنا أرى أنك إلى التأديب أحوج منك إلى التأنيب. ولعل دخائلك الردية أوضح من دخائل من فسقته ورميته بما لا يجوز في الدين أن يقطع مثله على مسلم في الحكم.
قال هارون بن ملول: فقال رجل ممن حضر: أيد الله الأمير، هذا الرجل أعرفه وقلبي يكرهه؛ لأن قصده أن يترأس لدنيا يصيبها بالكذب على الناس، وأنا أشهد وجماعة من حضر أن مسكنه الذي ينزله غصب، وأن طعمته
251
إخافة المستورين. فقال جميع من حضر من الشيوخ: صدق، أيد الله الأمير. فأمر به فضرب مائة سوط وطيف به البلد على جمل، ونودي عليه بما قيل فيه، وحبس في المطبق.
Unknown page