97

255

فيه، فكتب إلى أحمد بن طولون بخبره، فكتب إليه يأمره بإشخاصه إليه، فأشخص التاجر والغلام، فلما وافى وأدخل مع الغلام إليه، قال له: من أين لك هذا الخادم؟ قال: ابتعته من الواسطي كاتبك مما باعه من تركة ابن مفضل. فقال له: أين كنت عازما به؟ قال: أستقري به البلدان حتى أجد فيه ما أؤمله من الربح. فقال: اكتبوا له جوازا وحلوا فيه الخادم، وأطلقوا سبيله. فقال: أيها الأمير، فعلى من نفقتي في مجيئي ورجوعي بغير ذنب ولا جناية وجبت علي حتى أشخصت؟ فقد علم الله، جل اسمه، ما داخل قلبي من ذلك من الغم والجزع وأتكلف نفقة ثانية؟ فقال له أحمد بن طولون: لا، ما نكلفك نفقة، كم كانت نفقتك في خروجك ورجوعك؟ قال: عشرة دنانير. فأمر بدفعها إليه، وتحقق بذلك منه أنه من أهل السلامة، فخرج ولم يدع له، فكتب صاحب الخزانة بما سمعه تكلم لما لحقه من التعب والمشقة في دخوله ورجوعه بما أنكره أحمد بن طولون، فأمر به إلى المطبق، فلما دخله وجد فيه جماعة من غرمائه الكتاب والقواد الذين كان قد أيس أن يرى أحدا منهم أبدا، فسر بهم وسري

256

عنه بنظره إليهم وسروا أيضا هم به، وأنس بهم وأنسوا به، وقضوه جملة كبيرة مما كان له عليهم، واستأنف معاملة ثانية لهم، وباع رجلا منهم الخادم بربح جيد، فوجه به إلى من باعه له بدون ذلك لحاجته إلى الثمن، وأسلف قوما من المحبسين دنانير كثيرة وابتاع في المطبق رحالات

257

أبيعت يستغلها، وأقام مع غرمائه مقام مستوطن طيب النفس، حامد لله، عز وجل، على ما قضاه عليه، فذكره أحمد بن طولون يوما بعد سنة وشهور فأمر بإطلاقه.

فحدث يعقوب غلام العجيفي قال: دخلت إلى الرجل وأنا مسرور بإطلاقه، فبشرته بذلك، وقلت له: قم انصرف في حفظ الله، قد أمر الأمير بإطلاقك. فقال لي: وكيف أخرج من موضع أكثر مالي فيه، بل جميع ملكي؟ ومع هذا فلي فيه مستغل وأسلاف على جماعة وديون، فزبرته وأنكرت قوله، فصاح وبكى، وأقبلنا نجاذبه على الخروج وهو يجاذبنا على المقام، فرفع خبره إلى أحمد بن طولون فعجب منه وأمر بإحضاره، وقال له: ويحك تختار المقام في المطبق على إطلاق السرب.

258

فقال له: أيها الأمير، لما صار جميع ملكي في حبسك، وحصل لي فيه معاملون، اخترت ذلك، فإن كان لا بد من إخراجي فاتركني حتى أستنظف مالي وأبيع مستغلي. فقال له: وكم تحب أن تقيم كذلك؟ قال: ثلاثة أشهر. فقال له: ويحك أمجنون أنت؟ قال: لا والله، إلا صحيح بحمد الله، ولكن ما تسمح نفسي بترك مالي فيه، مع ما اتفق لي من المعاش مع من فيه. فقال له: فما تشفق على نفسك من شدة الحر فيه والازدحام والضيق؟ فقال له: أيها الأمير، القيسارية إذا ازدحم الناس فيها كانت أشد حرا منه، ويهون ذلك لكثرة الفائدة ولذة الربح، لا سيما ومعاملي فيه ثقات، وأحسن معاملة من التجار وأكرم وأوسع صدرا، وإنه لتسوءني مفارقتهم. فأمر أحمد بن طولون برده إلى المطبق، فلم يزل فيه حتى مات، فكان أمره من العجائب.

قال: ووقف رجل ليوسف بن إبراهيم يوما على باب داره حتى أقبل من الميدان، فلما هم بالنزول صاح به: أنا عائذ بالله وبك، ومستجير من رجل في حاشيتك قريب من قلبك، أثير

Unknown page