Sīrat Aḥmad Ibn Ṭūlūn
سيرة أحمد ابن طولون
259
عندك، فقال له: ومن هو؟ قال: أذكره لك في سر، وأنهي إليك من خبره ما لا يسعك له الصبر عليه. فأدخله معه الدار وخلا به، ففتح كمه فأراه كتابا من موسى بن بغا إليه، وقال له: بعث بي إليك قاصدا وحدك بهذا الكتاب. فصاح به يوسف بن إبراهيم ليسمع من حضره: يا هذا، إن جميع ما ادعيت به، وذكرت أنه ظلمك فيه مائة دينار، ونحن نعطيك إياها، ونزيل ظلامتك. وأمر فأحضرت الدنانير فدفعها إليه، وقال له: امض في حفظ الله، فلم يبق بينك وبينه شيء بعد هذه المائة الدنانير من المطالبات، وأعفنا من تظلمك وتكثرك. فأخذ الرجل المائة الدنانير وخرج، ولم يأخذ منه يوسف بن إبراهيم الكتاب، توقيا وخوفا، ورغبة في السلامة.
فأحضر أحمد بن طولون يوسف بن إبراهيم فقال له: ما الذي كان في كتاب موسى بن بغا إليك؟ فقال له: والله ما قرأت كتابا قط، والذي يجب علي من حق طاعتك فقد عملته. فقال له: فلم لم تقبض على الرجل وتجئني به؟ فقال له: لم يستكفني الأمير، أيده الله، هذا فأكفيه وأمتثل أمره فيه، ومن أتى شيئا من غير أن يندب إليه فساع يتوقع من شره أكثر مما يطلب من خيره. فاعتقله أياما ثم صرفه إلى داره مكرما.
وحدث نسيم الخادم قال: أهدى علي بن ماجور إلى أحمد بن طولون ثلاثة خدم كانوا لأبيه، فأما أحدهم فما خلا من طرفه في وقت من الأوقات، من شدة ملازمته لخدمته، فقال له يوما: أي البلدان أحب إليك أن تكون فيه؟ فقال له: بلد فيه مولاي الأمير. فقال له: ويحك في داري ثلاثمائة خادم، وقد تقدمت عليهم تقدما قصر بجماعتهم في عيني، فأنا أخاف عليك أن تحدث بك حادثة منهم فأغتم بك ولا يمكنني أن أستدرك أمرك، فاختر لنفسك بلدا تكون فيه آمن عليك من حال تلحقك. فقال له: إذا كان الأمر على ما ذكره مولاي الأمير فطرسوس. فوصله بجملة دنانير كثيرة، وأمر له بخيل وبغال وآلة كثيرة، وأجرى له رزقا واسعا، وأنفذه إليها.
وأما الثاني فكان من أحسن الناس وجها وخلقا، فرآه يوما في خلعة رائعة حسنة وقد زاد حسنه وجماله فيها، فقال له وهو خال: لو لحقتني في شرخ شبابي لما أفلت مني. فقال له: لو كان مولاي الأمير يستأهلني لما أفلت منه. فضحك وقال: يا نسيم، ابعث بهذا الخادم إلى محمد بن أخي، فإني لا أرغب في هزله، فهو يفسده أمر قريب يومه. وكان محمد هذا ابن أخيه موسى عفيف الفرج، ولما بعث به إليه ورآه حسنا بضا
260
وهبه للسيدة بنت أحمد بن طولون زوجته، وكان يخدمهما جميعا.
وأما الثالث فإنه سلم إليه رجلا آثر الراحة منه وقال له: إن هذا عدوي وعدوكم، وقدر عليه أنه سيقتله، ثم سأله عنه بعد أيام، فقال له: هو محبوس. فقال له: لو كنت تحبني لقتلته. فقال له: يا مولاي، لو كنت لك وحدك لقتلته، ولكني لك ولخالقي وخالقك، وما أقدر أن أرضيك بسخطه؛ لأنه أقدر علي منك. فنفاه إلى أذنة ولم يقطع رزقه عنه.
وحدث نسيم أيضا قال: كان أصحاب الأخبار يرفعون إلى مولاي رقاعا في أقوام تكون سببا لاصطفائهم وقتلهم، وكنت حربا لأصحاب الأخبار باغضا لهم، وكنت إذا لقيت الرجل منهم لعنته في وجهه جهرا، وكان مولاي إذا رفعت إليه رقعة حفظ معناها، وأمر بقتل صاحبها، ودفعها إلي وأمرني بتحريقها، ولم يثق بغيري في ذلك.
فسعى أصحاب الأخبار في إفساد حالي عنده، فكانوا إذا رفعوا إليه واحدة وعلموا أني قد حرقتها رفعت أخرى إلى مولاي وقالوا له: كيف بقيت هذه الرقعة لم تحرق؟ فيوهموه أني قد أغفلت أمرها، أو أخذتها لأعلم ما فيها ومن رفعت فيه، فأعلمني مولاي بذلك، فحلفت عليه أني ما أغفلت قط تحريق رقعة دفعها إلي، ولكن هؤلاء القوم لما علموا ببغضي لهم، احتالوا في إسقاط منزلتي من مولاي. فقال لي: صدقت، قد علمت ذلك، وأنها حيلة منهم عليك في الرقاع التي آمرك بتحريقها؛ لأن لي فيها علامة، وهي إدخال سبابة يميني حتى يتحيف فيها اسم أعرفه من الرقاع التي يعيدونها إلي سليمة من علامتي، وهذه يا بني صناع رديئة ليس يصلح لها غير الشرار ومن ليس فيه خير.
Unknown page